عاجل

البث المباشر

فهد سليمان الشقيران

<p>كاتب وباحث سعودي</p>

كاتب وباحث سعودي

تجارب إصلاحية حول العلمنة السياسية

تعتبر إشكالية تصور مفهوم للدولة في التراث الإسلامي من أبرز ما انشغل به المفكرون في العصر الحديث؛ إلا أن ذلك القلق لم يصنع نموذجاً بديلاً للمسلمين يمكنهم من الوقوف ممانعين بوجه التطبيقات الناجحة لمفاهيم كبرى ساهمت في تمتين الدولة الحديثة على النحو الذي حدث بالتجارب العلمانية الأوروبية. وإلى اليوم والتيارات الراديكالية الإسلاموية تنطلق في أدبياتها من خلال مفهوم الدولة، سواء بحلم الدولة الإسلامية والتطبيقات التاريخية، أو بخيالات عودة الخلافة بأمميتها... ولا يمكن إغفال قلق المسلمين تجاه الدولة الحديثة تلك التي تكوّنت بعد الثورتين الإنجليزية ثم تلتها الفرنسية بقرنٍ من الزمان، حينها تخلّق مفهوم علمنة الدولة انطلاقاً من إشكالية دينية مسيحية بلا شك لكنه تحوّل إلى نمط حكم مهم جعل الإدارة السياسية أكثر إنسانية وأقدر على تطبيق القانون، وأجدر بضبط التفاوتات بين الناس، وهو مفهوم لم ينبت كالكمأة بل له جذوره وأطواره وتاريخه، كذلك الأمر في فصل السلطات الذي تعتمده الدولة الحديثة اليوم، فهو قديم تم استلهامه من تطبيقات القبائل الجرمانية.
لا بد في مجالٍ كهذا من العودة لمحمد أركون الذي يحلل في كتابه «تحرير الوعي الإسلامي» موضوع الثورة الفرنسية باعتبارها نقطة البدء للأزمنة الحداثية الكبرى عبر صراع البرجوازية والكنيسة، أو بين العلمانيين والأصوليين، متسلحاً بأطروحات إيميل بولا التي يشير إليها باهتمام مثل «الكنيسة ضد البرجوازية» و«التاريخ والعقيدة اللاهوتية» و«الأزمنة الحداثية داخل المسيحية الكاثوليكية». ويحذر أركون من جعل العلمانية مقابل الدين، إذ يقول: «ينبغي العلم بأن حركة الدنيوة أو ما ندعوه بالعلمانية، لا تعني أبداً التصفية الراديكالية للدين كما يتوهم بعضهم وأكثرهم، على العكس فإن الأديان لا تزدهر إلا في ظل العلمانية»؛ إذ لا معنى من تحويل المفهوم إلى نمطٍ تطبيقي خاص بالتجربة الأوروبية بعد الثورات، ولا بكونها حالة «مسيحية» كما يعبر الأستاذ محمد الجابري، بل تطورت. وشغل المفهوم كغيره من المفاهيم التي تظلّ مضيئة تصقلها التجارب ضمن حركة المفهوم في التاريخ، فالتجربة العلمانية في القرن الحادي والعشرين تختلف عنها قبل ثلاثة قرون، وعلمانية كل دولة هي بصمة نظامها الخاص كالفرق بين العلمانيات الثلاث الفرنسية والإنجليزية والألمانية، وهو فرق واضح وساطع. كذلك الأمر بين العلمانية التركية والهندية واليابانية؛ كل دولة تصنع نموذجها العلماني طبقاً لسيرورة المجتمع والدولة والحالة الثقافية والاقتصادية.
من هنا بات لزاماً على المفكرين المسلمين الدخول ضمن نطاق تحليل أوسع للحديث عن إشكالية تصور الدولة والموقف من العلمنة، وأشير إلى كتاب نفيس طبع أوائل الثمانينات لرضوان السيد بعنوان «الأمة والجماعة والسلطة... دراسات في الفكر السياسي العربي والإسلامي». في المبحث الثالث من الكتاب يقرأ مسألة الشرعية في الاجتماع السياسي والبشري ويشير إلى نقطة أساسية، إذ يقول: «إن الشرعية التأسيسية كانت قائمة في الأمة وليس في النظام السياسي، وعمادها ثلاثة أمور؛ وحدة الجماعة، ووحدة الدار، ووحدة السلطة». ثم يطرح بحثاً مهماً حول العقل والدولة في الإسلام، ويخص ابن سينا بمبحث خاص وينقل عنه في «الحكمة العروضية»: «إن السياسة الموجودة في بلادنا هي مركبة من سياسة التغلب مع سياسة القلة، مع الكرامة».
أما عن موقف قيادات المسلمين من مفتين ومفكرين إسلاميين من العلمنة ومفهوم الدولة فقد وجدت نماذجه في كتاب مرجعي مهم، وهو عبارة عن مقتطفات من أبحاث وخطابات وأطروحات حررها تشارلز كورزمان بعنوان «الإسلام الليبرالي» بأكثر من سبعمائة صفحة، وفي المقدمة المطولة أشار إلى إشكالية التسمية؛ ذلك إن العديد من الإسلاميين الذين اقتبس منهم ليسوا كذلك بل يقتربون إلى التشدد والتطرف، ولكنهم يحملون ما يتجاوز ما يعرف بالتقليد الإسلامي، فتحثهم ثوريتهم على تجاوز كلاسيكيات الفقه المذهبي، ومن هنا يحدث اللغط بنسبتهم إلى التنوير أو الليبرالية... وأياً يكن الأمر فإن الكتاب يستحق وقفة خاصة، ولكن يمكن الإشارة لذكاء المواد المختارة وتنوعها بين المفكرين مثل: علي عبد الرازق من مصر، طالقاني من إيران، محمد ناصر من إندونيسيا، صادق جواد سليمان من عُمان، ديماسانجكاي بونداتو من الفلبين، وظفر من باكستان» وغيرهم من الفاعلين الاجتماعيين الأهم من الوحدة الجامعة للمختارات بينهم. وعلاوة على إشكالية مفهوم الدولة واختلاف تصورها ثمة أحاديث حول الديمقراطية والمرأة وحقوق غير المسلمين وحرية الاعتقاد، إشكاليات لامسها معظمهم بحذر ولكن بعضهم أقدم بشكل لافت نحو المساءلة واجتراح الحل، وقيمة الكتاب في وضع الباحث أمام الإشكاليات التي تعيق تقبل الإسلاميين لمعنى العلمنة رغم مرور أكثر من نصف قرن على كتاب القاضي الشرعي في جامعة الأزهر علي عبد الرازق «الإسلام وأصول الحكم»، معتبراً الإسلام رسالة وليس حكماً، وديناً وليس دولة.
الفرصة الآن متاحة للفهم، وتجاوز النظرة التآمرية للغرب ومفاهيمه، وبخاصة ما يتعلق بمعاني العلمنة وتطبيقاتها، فالموضوع أسهل وأبسط مما خُيّل للبعض؛ إذ الدولة هي نمط من تصور نموذج رشيد صالح يعنى بشؤون المجتمع وإدارة تفاوتاته وضبط صراعاته، ويُروى عن يحيى بن عدي (364هـ) قوله: «الناس مطبوعون على الأخلاق الرديئة، منقادون للشهوات الدنيئة، ولذلك وقع الافتقار إلى الشرائع والسنن والسياسات المحمودة».

*نقلاً عن "الشرق الأوسط"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات