«لعنة فاوست» لبرليوز: مصير غير مبرّر لعمل كبير

ابراهيم العريس

نشر في: آخر تحديث:

إذا كان تلحين الموسيقي الفرنسي غونو لمقاطع من «فاوست» غوته قد اشتهر في عالم الموسيقى، ولا يزال حتى الآن يقدَّم ويصنَّف بين الأعمال الموسيقية الأكثر تقديماً في الريبرتوار الفرنسي، فإن ثمة عملاً آخر مقتبساً من «فاوست»، لم يحظ بمثل المكانة التي كانت لعول غونو على رغم أن كثراً من نقاد الموسيقى الأوبرالية ومؤرخيها يعتبرون صاحب العمل الذي نتحدث عنه، أكبر شهرة من غونو وأرفع منه مكانة في التصنيف التراتبي للموسيقى الفرنسية. فهذا الموسيقي الذي نعنيه هو هكتور برليوز صاحب «السيمفونية الغرائبية» و «الطرواديات» بل حتى «روميو وجولييت» التي تعتبر من بين الأكثر حظوة في مجال موسقة عمل شكسبيري. ومع هذا يبدو وكأن اللعنة التي حملها عنوان هذا العمل، انصبّت عليه عملياً بدوره إلى درجة أن التقديم الحديث جداً لـ «لعنة فاوست» –وهو العمل الذي نتحدث عنه هنا-، في العام 2015 على خشبة أوبرا الباستيل قوبل بصراخ مستنكر من قبل الجمهور. والحال أن هذا الرفض يذكرنا بكيف أن برليوز ظل يعاني أكثر من خمسة عشر عاماً قبل أن يتمكن من تقديم «لعنة فاوست» للمرة الأولى بصورة جدية، في العام 1847 ولكن ليس في باريس بل في سانت بطرسبرغ ثم في موسكو، هو الذي كان قد بدأ الاشتغال على موسقة «فاوست» منذ العام 1828، ولكن على شكل باليه ليعجز بعد ذلك عن إيجاد مسار حقيقي لذلك العمل.

ولعل الإحباط الأول الذي واجهه كان من لدن غوته نفسه، إذ تقول الحكاية إن الموسيقي الفرنسي ما إن كتب الموسيقى الأولى المستوحاة من أول «فاوست» كتبها غوته حتى أرسل إليه العمل طالباً رأيه ونصحه، لكن الشاعر الألماني الكبير لم يتنازل ولو برد يفيد تسلمه رسالة الموسيقي الفرنسي. صحيح أن غوته كان في حينها نصف إله، ولكن هل كان ذلك يكفيه كمبرر لعدم التجاوب مع موسيقي شاب اشتغل بكل جوارحه على ابتكار موسيقى تليق بنص مسرحي كبير له؟.

لن نتوقف بالطبع عند هذا الأمر بل سنهتم بالعمل نفسه. فبعد الإحباط الأول لم يكن من برليوز، إلا أن راح بعدل ويسوّي من ذلك الباليه الذي استبق فيه العمل الغنائي الفاوستي الذي سيتابع منذ ذلك الحين، الاشتغال عليه، حتى اللحظة التي اتخذ فيها قراره بتغيير مسار العمل. وهو كان في تلك الأثناء قد قرأ وأعاد قراءة ترجمة جيرار دي نرفال الفرنسية للمسرحية الألمانية الكبيرة، ورأى أن من الممكن أي يكون عيب تدخله الأول كونه تجاهل النصوص الحوارية، ليركز على الفعل والمشاعر ما جعل غوته غير عابئ بعمله. وهكذا راح يختار، شراكة مع كاتب النصوص الأوبرالية آلمير غاندونيار الذي كان معروفاً وصديقاً له في ذلك الحين، مقاطع أساسية من النص المسرحي العميق في أبعاده الفلسفية بل «النفسانية» حتى، ليحولا الأمر كله الى مغناة تحت عنوان بديل للعنوان الأول الذي كان «ثمانية مشاهد من فاوست»، فيصبح العنوان الجديد هو ذلك النهائي الذي لا يزال يحمله عمل برليوز حتى الآن، «لعنة فاوست»، وتسري اللعنة منتقلة من العنوان إلى مسيرة ذلك العمل الموسيقي نفسه.

ومهما يكن من أمر، حتى وإن كانت مخطوطة مغناة برليوز الأساسية قد ارتبطت إلى حد كبير بكاتب النصوص الأوبرالية الذي شارك برليوز في الكتابة، من المعروف أن برليوز نفسه قد كتب معظم النصوص استناداً إلى ترجمة دي نوفال التي لم تفارقه أبدا. ولسوف تشير مقدمة المخطوط الذي عاد وطبع لاحقاً إلى أن «كلمات غناء مفيستوفيليس التكراري في القبو بلايبتسغ، وأغنية الطلاب اللاتينية، ونهاية القسم الثالث والقسم الرابع بأكمله (باستثناء أغنية مرغريت العاطفية) والتمهيد، كلها من كتابة السيد برليوز مباشرة». وتذكر سيرة برليوز أنه في العام 1845 وما يليه وهي أعوام أمضاها الموسيقي بين النمسا والمجر وسيليزيا وبوهيميا، لم يكف عن العمل على الموسقة المتواصلة للعمل، ولسوف يكون من الواضح أن تلك البيئة الوسط- أوروبية قد ألهمته الكثير من الألحان التي تتعلق بعمل مسرحي– أسطوري يدور أصلاً في تلك المناطق من العالم. ويؤكد كثر من كاتبي سيرة برليوز أنه خلال ذلك التجوال، راح يموسق ويدون كالمجنون قي القطارات والمراكب وفي أي بقعة يمر بها، وكأن موسيقاه كاميرا فوتوغرافية أو آلة تسجيل تريد أن تلتقط «الصور الصوتية» المرتبطة بتلك الأمكنة قبل مبارحتها. ومن هنا لم يكن غريباً أن يتسم ذلك العمل البرليوزي بقدر كبير من السمات الجرمانية، ما يمكن أن يكون أحد الأسباب التي ردعت الجمهور الفرنسي عن التعاطف مع العمل. ولربما يصح في هذا السياق، مقارنة كتابة برليوز الموسيقية ذات السمات العقلانية لفاوست بكتابة غونو ذات النزعة الرومانطيقية الفرنسية التي تكاد تكون انطباعية قبل ولادة الانطباعية. الحقيقة أننا حتى لو استنتجنا هنا بأن «فاوست» برليوز كانت أقرب إلى روح عمل غوته، من «فاوست» غونو الذي لا شك أنه أضفى على نص غوته مسحة فرنسية تكاد تكون بعيدة عن فاوست إنما أكثر قرباً مما تتصف به موسقة «أشجان الفتى فرتر»، قد يبقى علينا أن نقرّ بأن «فاوست غونو» كانت مؤهلة لأن تكون أكثر شعبية وأكثر نجاحاً لدى الجمهور العريض. ولربما كمنت هنا اللعنة التي كانت من نصيب «لعنة فاوست»، والتي أحزنت برليوز طوال حياته.

أنجز برليوز النسخة الأخيرة من «لعنة فاوست» في العام 1846 إذاً لدى عودته إلى باريس، وهو لئن تمكن من أن يقدم لها عرضاً أولاً في الأوبرا– كوميك الباريسية، فإن العرض أتى فاشلاً كل الفشل في مرتين متعاقبتين خلال شهر ديسمبر (كانون الأول) نفسه في ذلك العام. وشعر برليوز بأنه محطم تماماً أمام عمل استثمر فيه كل طاقته وقدرته الإبداعية، وكانت النتيجة أن «لعنة فاوست» لم تقدم مرة أخرى في أي صالة فرنسية في حياة مبدعها. ولكنها قُدمت في الخارج، كما أشرنا سابقاً، وبقدر لا بأس به من النجاح، ليس فقط في المدينتين الروسيتين الكبيرتين بل كذلك في برلين ولندن. أما الباريسيون فسوف يكون عليهم أن يصبروا حتى العام 1877، أي لسنوات بعد رحيل برليوز، قبل أن يقيّض لهم أن يشاهدوا «لعنة فاوست» ليس في تقديم واحد، بل في تقديمين متنافسين تزامنا تماماً ممهّدين لعودة «لعنة فاوست» إلى الحياة. ولعل ما ينبغي ذكره هنا هو أن تلك العودة ستنطوي على اشتغال على مُبدَع برليوز إنما في اتجاهين. فمن ناحية راحت المغناة تُقدم كما صاغها الموسيقي الراحل بحذافيرها، ومن ناحية ثانية راح العمل يُقدّم مشتتاً ومجتزءاً على شكل كونسير موسيقي إنتقائي، أي أن الفرق الموسيقية راحت تختار مقطوعات وأغان معينة لتقدمها في برنامج خاص. ولئن كان من نصيب هذا الشكل الأخير أن حظي برضى الجمهور معطياً للمقطوعات المختارة حياة خاصة بها، فإن العمل الثاني كان له جمهوره المحبّذ أيضاً، بل حدث في بعض المرات، وآخرها في العام 2008 في مسرح شاتليه الباريسي، أن تنطح موسيقي معاصر، هو كزافييه ريكور لتقديم نوع من المزيج الذي يجمع العملين معاً. أما التقديم الأغرب فكان ذاك الذي أشرنا سابقاً إلى إخفاقه قبل ثلاثة أعوام (2015) حين اقتبست «لعنة فاوست» في مغناة تدور من حول بعثة إلى المريخ، وفي الحبكة فاوست تحت ملامح العالم الإنكليزي المقعد ستيفن هاوكنغ. وكما أشرنا لم يحب الجمهور هذا العمل على الإطلاق ما أعاد الحديث من جديد حول لعنة «لعنة فاوست».

وبقي أن نذكر هنا، أنه في مقابل التقديم الغنائي للمغناة والمؤلف في صيغته النهائية من ثمانية أقسام –ودائماً ضمن الترتيب الذي كان للباليه الذي يمثل أول موسقة قام بها برليوز لمسرحية غوته -، تألف العمل الأوركسترالي الذي تحدّر عن المغناة وراح يقدم بمفرده من ثلاثة مقاطع رئيسية راحت غالباً ما تُقدّم منفردة وهي «المارش المجري» –وهو الذي يبقى أشهر تلك المقطوعات -، و «باليه السيلف»، و «رقصة الجنون»، وأقل من هذه شهرة «أغنية البقّة» و «السيرينادا» اللتان ينشدهما مفيستوفيليس» ثم «نشيد ملك تولي» ورومانس «الحب وشعلته « من غناء مرغريت، وأخيراً «ذكر الطبيعة» التي تعتبر أنشودة فاوست الرئيسية في هذا العمل. والحقيقة أن الاستماع إلى هذه المقطوعات يضعنا دائماً أمام عمل باهر من المؤسف أنه لم يحظ إلا بذلك المصير.

* نقلاً عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.