عاجل

البث المباشر

«الشعر الساذج والشعر العاطفي» لشيللر:... وصولاً إلى الإنسان

«كان فردريك شيللر أول من افترض وجود فارق بين الروائي الساذج والروائي الحساس، وكان ذلك في مقال كتبه عن «الشعر الساذج والشعر الحساس» بين العامين 1795 و1796 (...). وفي هذا المقال الذي وصفه توماس مان بأنه «أجمل مقال كُتب في اللغة الألمانية» قسم شيللر الشعراء إلى مجموعتين: الساذجين والحساسين. قائلاً أن الشعراء الساذجين متوحدون مع الطبيعة في الحقيقة وهم يشبهون الطبيعة في هدوئها وقسوتها وحكمتها. يكتبون قصيدتهم بكل عفوية وتقريباً دون تفكير، وبدون أن تقلقهم أي تبعات فكرية أو أخلاقية (...). ومن ناحية ثانية، يرى شيللر أن الشاعر الحساس (المتأمل، العاطفي) قلق وهو قبل أي شيء غير متأكد ما إذا كانت كلماته سوف تحيط بالواقع (...). بيد أنه يكون عادة واعياً جداً من القصيدة التي يكتبها ومن الطرق والأساليب التي يستخدمها ببراعة أثرت مسعاه. الشاعر الساذج لا يميز كثيراً بين فهمه للعالم والعالم نفسه (...) وهو قلق بشأن المبادئ التربوية الأخلاقية والفكرية عندما يصب تصوراته في القصيدة». بهذا التعريف المختصر هنا يبرر الكاتب التركي أورهان باموق العنوان الذي اختاره لسلسلة محاضرات ألقاها العام 2009 ضمن إطار محاضرات تشارلز إليوت نورتون في جامعة هارفارد الأميركية حول فن الرواية، ليجمعها بعد ذلك في كتاب جعل عنوانه «الروائي الساذج والحسّاس» ولئن كان باموق قد أشار إلى هذه الاستعارة في تقديمه فإنه أبقى قارئه على ظمئه لمعرفة المزيد عن مقالة شيللر، وعن الظروف التي كتبت فيها تلك المقالة، التي لم يكن باموق مخطئاً حين قال إن الشاعر الألماني لا يتناول فيها الشعر أو الفن والأدب عموماً فقط، بل جعل منها نصاً فلسفياً يتحدث عن عن أنواع البشر. ولا بد أن نشير هنا إلى أن هذا «النص الفلسفي العميق» إنما كُتب أصلاً انطلاقاً من تجربة شخصية جديرة بأن نرويها هنا.

حدث ذلك في العام 1795 في وقت كان شيللر يعيش مرحلة صعبة من حياته الفكرية، إذ كان قد فقد كل إيمان بجدوى ما يكتب، لا سيما بجدوى أشعاره. وقد حدث له في ذلك الحين أن زار الشاعر والمفكر الكبير غوته وأقام لديه بضعة أيام كانت كافية له كي يستعيد بعضاً من نشاطه الذهني ما أطلق لديه، وفقاً لما تقول سيرته، مرحلة انتقالية آيتها رصد الفوارق، الجيلية والفكرية وحتى الجمالية التي رأى أنها تميز بينه وبي ذلك المبدع الكبير الراسخ، والذي كان يبدو له واثقاً من أفكاره وخطّ سيره في الحياة. وهكذا انطلاقاً من ذلك التأمل الخفي لما يكوّن أفكار غوته، راح شيللر يفكر توجهاته هو الخاصة وأفكاره، ملاحظاً أن العنصر الأساس الذي يقف في خلفية الفوارق بينه وبين سلفه الكبير، يتعلق أساساً بالموقف من الحياة والإبداع بصرف النصر عن المكوّنات الاجتماعية التي تصنع كلا من الفكرين. والحقيقة أن غوته سيكون من أول المعجبين بالتحليل الذي اشتغل عليه شيللر في هذه الدراسة حتى وإن كانت تطاوله هو شخصياً. ففي نهاية الأمر، ومهما أسهب شيللر في تحليلاته، من الواضح أن المفاضلة لم تكن من همومه هنا. كان يريد أن يفسر ويؤول، وبالتحديد انطلاقاً من فكر كانط الذي كان هو واقعاً تحت تأثيره. ومن هنا يرى كثر من الباحثين أن تلك الدراسة التي كتبها شيللر في ساعة تساؤل، كانت هي أول من فتح الطريق للتفريق بين ما سوف يدعى مذّاك وصاعداً: الكلاسيكية والرومانطيقية، في الشعر بداية ولكن في بقية صنوف الإبداع لاحقاً.

لقد انطلق شيللر، كما أشرنا، من مبادئ الفلسفة الكانطية مطبّقا إياها على مجالات الإبداع كافة، ولكن دائماً وفي شكل خفيّ أحياناً وأقلّ خفاءً في أحيان أخرى، من المقارنة بينه وبين غوته. وفي شكل عام نلاحظ في مجرى دراسة شيللر أن نقاء وبساطة «الشاعر الساذج» تتمثلان في الشعر الساذج الذي يرتبط بالطبيعة ويحاكيها معلنا انتماءه إليها، وذلك على مدى تاريخ الإبداع الإنساني (الشعري هنا). بيد أن الصراع بين البعدين، الساذج والعاطفي– أو الحساس-، فإنه يتمثل في أن هذا الأخير على وجه الخصوص، هو الذي بدلاً من أن يحاكي الطبيعة يجابهها بنوع من المثالية. وبالنسبة إلى شيللر فإن «التناسق الواعي والمستقل منظوراً إليه كموضوعة لتطور الإنسانية، هو الذي يشكل الهدف الأسمى للشاعر المثالي»، ولكن بما أن هذا الهدف الأسمى لن يمكن أبدا بلوغه، «يبقى الهدفان الأولان ماثلين بوصفهما التمظهرين الوحيدين الممكنين للعبقرية الشعرية»، وفق تحليل شيللر. صحيح أن تينك الدرجتين الأوليين لا تتشابهان بل تتجابهان، ولكن ثمة مبدأً يسمو عليهما ويجمعهما وهو ذاك الذي يتطابق مع الفكرة الإنسانية نفسها. ولا يخفي شيللر على أي حال أن التمييز الذي يبدع في تصويره بين الشعر الساذج والشعر العاطفي الحساس، تعود أصول فكرته الأولى إلى هردر الذي كتب مميّزاً بين شعر الطبيعة وشعر الفن. لكن شيللر، وبعيداً جداً عن إقامة أي تراتبية بين الشعرين، يخلص إلى القول قي شكل حاسم إن «لا الشعر الساذج ولا الشعر العاطفي الحساس يمكنه أن يحقق المثال الأعلى الإنساني تحقيقاً متكاملاً». حيث وحده «التضافر بينهما يمكنه أن يوصل تلك النزعة الإنسانية إلى حدودها القصوى، حاملاً ذلك «الجمال الذي يتوجب عليه من ناحية أن يتوافق مع الطبيعة ومن الناحية الثانية مع المثال الأعلى الفكري، الذي هو تعبيره الحقيقي في نهاية الأمر».

في هذا النص الذي من الواضح أن شيللر قد صاغه استناداً إلى تفكير عقلاني يكاد يكون فلسفياً في تقنيته، يشتغل الشاعر انطلاقاً من نوع من التقابل البنيوي قائم على مبدأ يشتغل على نوع من التجابه بين المتناقضات، كما على «صرامة في الفرز والتصنيف قد تصل إلى حد الجمود المفرط» في رأي بعض دارسيه الذي يعزون هذا على أي حال إلى كل تلك الجهود البحثية والدراسية التي من الواضح أن شيللر قد بذلها في سبيل إنجاز نصّ كان يتوخى منه، على أي حال، وبصورة مضمّرة، أن يكون سبيله إلى اجتياز تلك المرحلة الانتقالية في مساره الإبداعي، وربما في توجهه الفكري أيضاً، إذ لا يفوت الباحثين هنا التأكيد على أن هذا النص يبدو أقرب إلى العمل الفلسفي– بل التقني في مجال الفلسفة– منه إلى النص الأدبي الذي يلوح منه في بداية فقراته. ناهيك بما يقوله بعض أولئك الدارسين من أن ثمة قدراً كبيراً من النزاهة العلمية يطغى على النصّ، مبعداً إياه عن «حرية التصرف» التي قد تطبع أحياناً النصوص التي تُكتب حول الإبداع. أي أننا هنا في صلب فلسفة النقد، كما عُرفت لدى كانط وربما لدى هيغل أيضاً. غير أن ما يجب ملاحظته في إطار هذا كله، هو أن شيللر لا يبدي أي اهتمام في طول النص وعرضه، بالشروط التاريخية التي قد تبدو متحكمة أحياناً في الكتابات الإبداعية. ولعل هذا ما يزيد من الطابع الفلسفي للنصّ. فهو، أكثر وأكثر، كتاب عن «فلسفة الشعر» أكثر مما هو كتاب عن الشعر. ومن هنا ما قاله بعض دارسي الكتاب من أن شيللر «إذ ينطلق من مثالية كانط الجمالية، يصل إلى مثالية جمالية مطلقة خاصة به، بحيث أن هذه الدراسة يمكن اعتبارها تعبيراً عن العلاقة الأخيرة والمثلى التي يقيمها هذا الشاعر الألماني الكبير بين أسمى مُثل الفن العليا، وأسمى آيات المُثل الإنسانية». ويقينا أن هذه الفكرة لم تكن غائبة عن ذهن أورهان باموق، حين استعار عنوان محاضراته من سلفه الألماني، هو الذي يتّسم عمله الروائي وفكره في شكل أعمّ بتلك النزعة الإنسانية نفسها.

وفدريك شيللر المولود العام 1759 في فورتمبرغ ليموت بعد ذلك بخمس وأربعين سنة (العام 1805) في فايمار، يعتبر واحداً من كبار شعراء ألمانيا على مرّ العصور، لكنه عُرف أيضاً كمفكر فيلسوف وعالم طبيعيات ومؤرخ وكاتب مسرحي. ولقد طبعته خلال العقد ونصف العقد الأخيرة من سنوات حياته صداقة كبيرة ومثمرة مع غوته وتأثر به دون أن يُنظر إليه بالضرورة كتلميذ له. ولقد عُرفت على نطاق واسع تلك النقاشات الجمالية والفكرية المتواصلة التي قامت بينهما. وإضافة إلى النص الذي نتحدث عنه هنا خلّف شيللر العديد من «الأوراق الفلسفية» لكن أشهر أعماله الإبداعية، إلى جانب «نشيد الفرح» الذي أدرجه بيتهوفن مغنّى في سيمفونيته التاسعة، ويعتبر اليوم النشيد الرسمي لأوروبا، تبقى سلسلة مسرحيات جعلته يلقب بـ «شكسبير ألمانيا».

نقلاً عن "الحياة"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة