حفظ الطعام.. والمصريون ملوك التمليح

عباس الطرابيلى

عباس الطرابيلى

نشر في: آخر تحديث:

حقاً.. الحاجة أم الاختراع.. إذ سعى الإنسان- منذ القدم- إلى حفظ الطعام ليأكله عندما يعز الطعام. ومن البيئة توصل إلى وسيلة الحفظ.

مثلاً: شعوب المناطق الباردة عرفت أن «التجميد» يحفظ الطعام، وبالذات فى اللحوم، واكتشفوا ذلك عندما وجدوا جثثاً من الحيوانات ماتت.. ودفنتها الثلوج.. فحفظتها من التلف. وكانت شعوب الإسكيمو هى صاحبة هذا الاختراع.. ونقلته عنهم كل الشعوب.. والشعوب الأقل برودة اكتشفت أن تعليق اللحوم فى الهواء الطلق يحفظها من التلف.. وكانوا يقطعون منها- وهى معلقة- لشهور عديدة ثم يأكلون.. وهكذا عرفت الإنسانية حكاية «تجليد أو تشميع» اللحوم وتجفيفها.. أى تجفيف ما يزيد عن طعامهم من الذبيحة.. ليأكلوها بعد ذلك. وتلك هى شعوب الهنود الحمر.. وأهل الصين.. ووسط وغرب أمريكا.. وامتد ذلك إلى أمريكا الجنوبية.. وعرفت شعوب أخرى نظرية التجفيف، بالذات الحاصلات الزراعية من فواكه «عنب.. بلح.. تين.. قراصية»، ومن الخضروات مثل: البامية.. واللوبيا.. والفاصوليا.. والثوم.. بهدف توفيرها فى غير مواسمها!! هى والحمص، أى عموم البقوليات مثل الفول الصويا والفول الأخضر والعدس.

وعرفت شعوب أخرى حكاية «التجفيف»، بالذات تجفيف الأسماك، وما سمك الباكلاه اليونانى والفرنسى والإيطالى إلا نوع من السمك المجفف بعد وضعه فى مواد حافظة. وكنا نأكله قبل الخمسينيات وكان مشهوراً فى مصر للمصريين وللأجانب ولكن شعوب الخليج العربى هم أفضل من استخدموا تجفيف أسماك السردين سواء فى شواطئ الخليج العربى.. أو خليج وبحر عمان الذى هو جزء من المحيط الهندى، ولأن الله وهب سكان هذه المناطق ثروة من سمك السردين إذ كانوا يفرشونه على رمال الشاطئ بكميات هائلة كانت تعكس الشمس لونها الفضى إلى أن تجف تماماً. وهم يختارون السردين كبير الحجم بعد تمام التجفيف ليأكلوه فى غير مواسم تواجده طازجاً، وبالذات كان يطلبه سكان المناطق الداخلية طعاماً لهم فى الكبسة أى مع الأرز وقليل من الطماطم، أما الأقل جودة فكان يستخدم سماداً للأرض الزراعية، وبالذات مزارع الدخان «التمباك» وأشجاره تعلو على قامة الإنسان وتنافس شجيرات الموز. ويسمون هذا الدخان هناك «الغليون»، ولذلك كانت عملية تجفيف السردين تجارية مربحة لأكل البشر.. وتسميد المزارع وتُنقل إلى تجمعات السكان فى الداخل، أى بعيداً عن السواحل. وهم أيضا يجففون زعانف وذيول أسماك القرش التى تصدر جافة إلى الشرق الأقصى ليصنعوا منها أغلى طبق شوربة فى العالم.. وهى مقوية.. ولا الفياجرا، وأحياناً «يملحون» أسماك الكنعد ولكن لمدة ساعات فقط لنفس الغرض.. أى أهل الخليج هم الذين اكتشفوا تجفيف السمك وبرعوا فيه.

■ ■ ولكن المصريين هم ملوك «التمليح للحفظ»، أى هم من اكتشفوا هذه الطريقة للحفظ.. وذلك منذ العصور الفرعونية الأولى.. وهكذا عرفوا الفسيخ وتمليحه.. وكذلك السردين، وأيضاً باستخدام الملح البحرى الخشن، منذ آلاف السنين.. والمصريون القدماء هم الذين اكتشفوا أن العائلة البورية «البورى والطوبار والجرانة والذهبانة» هى أفضل ما يتم تمليحه أى تفسيخه وتحويله إلى فسيخ، ويشترط أن يكون من بورى المياه المالحة.. بل والمصريون هم أول من «حفظوا» البطارخ وبالتمليح أيضاً دون أى مواد حافظة، أما أهل إيران وروسيا وشمال غرب أوروبا فيحفظون البطارخ لتتحول إلى كافيار بمواد حافظة.. والجولدن والرمادى هى الأفضل!!

■ ■ المصريون إذن هم من اخترعوا التمليح وسيلة لحفظ السمك ليأكلوه فى غير مواسمه.. أو ليأكله سكان المناطق الخارجية والبعيدة. ومن ثم شاع أكل الفسيخ عند المصريين، ولكن هل وجدنا «الفسيخ» داخل مقابر المصريين القدماء؟.. سؤال يجيب عنه أشهر عالم للمصريات هو الدكتور زاهى حواس.. وهو من عشاق السمك.. أما عشقه للبطارخ والكافيار فهو بلا حدود.. فهل ذلك سر جاذبيته؟!

■ ■ والمصرى هو أيضاً من اكتشف ضرورة تناول «الملانة»، أى الحمص الأخضر، مع الفسيخ، ليعوض نقص البروتين فى هذا الفسيخ.. وإخوتنا الميسحيون يحرصون على تناوله رغم ندرته هذه الأيام.. أما الخس فلا تنسوه عقب أكلة الفسيخ- أشهر ما قام المصريون بحفظه بالتمليح- لأن أوراقه تقلل من امتصاص المعدة لأملاح الفسيخ.

حقاً: الحاجة أم الاختراع..وهيا نأكل الفسيخ.. ولا تسرفوا فهو عادة لن يتخلى عنها عشاق الفسيخ!!.

*نقلاً عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.