عاجل

البث المباشر

"فكّرت بديزي" لإدموند ويلسون: تاريخ ثقافي تحت قناع الرواية

ترى، كم احتاج الكاتب والناقد الأميركي إدموند ويلسون من الوقت قبل أن يدرك أنه لم يُخلق كي يكون كاتباً روائياً أو قصصياً، بل كي يكون ناقداً، وواحداً من أبرع النقاد طوال القرن العشرين؟ من المؤكد أنه لم يحتج الى الانتظار طويلاً قبل التوصّل الى ذلك الاستنتاج: كفاه أن يصدر وهو في منتصف عشرينياته مجموعة من قصص قصيرة، ورواية واحدة تستحق، الى حد ما، اسم رواية، كي يتبيّن له وهو ذو الحس النقدي السليم، أن تلك المبدَعات، إنما كانت أقرب إلى أن تكون «دراسات» في التاريخ الثقافي وفي تطور الذهنيات لدى شرائح معينة من المثقفين النيويوركيين، منها إلى أعمال تخييلية من النوع الروائي الذي سيصير هو أحد كبار متابعي تطوره وتاريخه في زمنه. وربما نخصّ بالذكر هنا روايته الوحيدة «فكّرت بديزي» التي صدرت للمرة الأولى في العام 1929. صحيح أن هذه الرواية استقبلت يومذاك بترحاب شديد من نخبة القراء بخاصة من المثقفين النيويوركيين ومرتادي غرينوتش فيليج، غير أن هؤلاء الأخيرين سرعان ما تعاملوا مع الرواية وكأنها تحقيق صحافي مطول حول الحياة الأدبية اليسارية كما كانت سائدة في غرينوتش فيليج أوائل القرن العشرين يوم كان ذلك الحي مركز الحداثة الفكرية والأدبية والفنية في طول أميركا الشمالية وعرضها.

> صحيح أنه كان للكتاب سمة الرواية وشخصيات روائية وقصة حب وخيبة وعالم يقرب من عوالم الضفة اليسرى والحي اللاتيني الباريسيين، ما يعطيها صك انتمائها الى العالم الروائي، ولا سيما أن حكاية الحب التي تروى مشوّقة ببطليها الشاب الطموح ذي الحضور المحوري، والحسناء الصبية ديزي التي يغرم بها وتكاد فصول الرواية المتتالية تضع القارئ إزاء محاولة الشاب كتابة رواية عن افتتانه بالفتاة... كل هذا صحيح وكان من شأنه أن يكون رواية لا بأس بها. غير أن المشكلة تبدأ منذ اللحظة التي يدرك فيها القارئ أن الكاتب البطل الشاب ليس سوى أنا آخر لويلسون نفسه، بل كذلك أن ديزي ليست في حقيقة أمرها سوى إدنا سانت فنسنت ميلاي التي عُرفت بالفعل بوصفها واحدة من أولى غراميات إدموند ويلسون. ثم إذ يتابع القارئ تخميناته سيجد نفسه في كل مرة أمام شخصيات غرينوتشية معروفة في ذلك الحين، وصولاً الى سكوت فيتزجيرالد وجون دوس باسوس الكاتب الكبير وصديق ويلسون الذي يلعب دوراً كبيراً في الرواية، دوراً يتطابق مع دوره الحقيقي في حياة ويلسون و... إدنا.

> وهكذا، منذ اللحظة التي يرسم فيها القارئ خارطة الشخصيات ويتعرف الى الأساسية منها، لا شك في أن تعامله معها يصبح تعاملاً معرفياً ويجد نفسه يتابع ما يدونه قلم متهكم ومبدع حول تاريخ حيّ وحقبة لعلهما أجمل ما مرّ على نيويورك، في أزمنتها الثقافية المبكرة. وضمن هذا الفهم على أي حال، تتابع الرواية الصراع الداخلي الذي يعيشه الكاتب الشاب من أجل العثور على مكانة له في العالم البوهيمي الذي كانه عالم غرينوتش فيليج في ذلك الحين، كما يبحث في الوقت نفسه عما كان يعتبره «مثله الأعلى الأميركي» في شخص فتاة الكورس البسيطة الطيبة التي كانتها ديزي. ونحن لئن قلنا هنا أن تلك المرحلة كانت أساسية في حياة الثقافة النيويوركية، لا بد أن نؤكد أنها كانت أيضاً مرحلة أساسية في حياة إدموند ويلسون الشاب نفسه، ومن هنا امتلاء الرواية بالشخصيات المعروفة، وإن كان تحت أقنعة وأسماء مستعارة. في نهاية الأمر، اعتبرت «فكّرت بديزي» نصاً أوتوبيوغرافياً (في السيرة الذاتية) ولا يزال التعامل معه يسير على هذا النحو حتى اليوم.

> غير أن ويلسون نفسه سرعان ما سيتحول الى شخص آخر إثر ذلك. ولعل أفضل مدخل يقودنا الى ذلك الشخص هذه العبارة التي يتحدث فيها عن نصف الإله الذي كانه إرنست همنغواي في ذلك الحين: «على رغم اهتمام همنغواي بالمجابهات الجسمانية التي يخوضها أبطاله، فإن هؤلاء الأبطال كانوا على الدوام تقريباً، يهزمون، جسمانياً، عصبياً، وبشكل عملي، أما انتصاراتهم الوحيدة فكانت انتصارات أخلاقية». بمثل هذه العبارات البصيرة والثاقبة، كان ويلسون، حين تحوّل نهائياً الى النقد، يلخص عوالم بأسرها، ويحلل أعظم الأعمال الأدبية في القرن العشرين، ما جعله يعتبر في نظر الكثيرين، أفضل ناقد أدبي معاصر، وهو أمر لا شك في أن القراء العرب المهتمين قد خبروه عن كثب لدى قراءتهم لواحد من أهم كتبه، «قلعة أكسل» الذي ترجمه الى العربية جبرا ابراهيم جبرا، ونظر اليه الكثيرون وقتها على انه، في حد ذاته، مدرسة في حداثة النقد.

> ولئن كان ادموند ويلسون قد عُرف بالجدية في نقده، فإنه كذلك عُرف باللؤم الشديد وباستخدامه العبارات الجارحة حين لا تنفع حجة مع «خصومه» ولا ينفع جدال. ولعل من أطرف العبارات التي نقلت عنه، تلك التي عنون بها مقالة مهمة له راح فيها يهاجم الأدب البوليسي، الذي تكتبه أغاثا كريستي بخاصة، رافضاً اعتباره أدباً حقيقياً، ولما كان عنوان واحدة من أولى وأبرز روايات أغاثا كريستي هو «من قتل روجيه اكرويد؟»، عنون ويلسون دراسته عنها بـ «من يهتم حقاً بمن قتل روجيه اكرويد؟» ومنذ ذلك الحين، اعتبرت تلك العبارة قولاً مأثوراً.

> إذا كان ادموند ويلسون قد برز كناقد كبير، فإنه لم يكن ناقداً وحسب، بل أراد كما أشرنا أن يكون أيضاً، روائياً وباحثاً ومؤرخاً، كما أصبح واحداً من كبار أقطاب الحركة الأدبية الأميركية بعيد الحرب العالمية الأولى، واشتهر بمعاركه الأدبية الصاخبة، تماماً كما اشتهر بزيجاته المتعددة، وكان من أشهر زوجاته الكاتبة التقدمية ماري ماكارتي، التي رغم طلاقهما السريع ظلت صديقة له، ولسان حالها يقول: «الإبقاء على صداقته خير، في نهاية الأمر، من اكتساب عداوته»، وهو حافظ على تلك الصداقة ودافع عن أدب السيدة دفاعاً شديداً.

> ولد ادموند ويلسون العام 1895 في ردبانك بولاية نيو جيرزي الاميركية، وتخرج العام 1916 في جامعة برنستون حيث كان رفيقاً لسكوت فيتزجيرالد. خاض ويلسون الحرب العالمية الأولى في فرنسا، وبعد عودته عمل أولاً في الصحافة حيث راح يكتب المقالات النقدية لمجلة «فانيتي فير» ثم لمجلة «نيو ريبابلك» وبعد ذلك لمجلة «نيويوركر». وكانت كلها من أهم مجلات النخبة التقدمية في الولايات المتحدة في ذلك الحين. غير أن ويلسون، خلال كتابته في تلك المجالات، لم يشعر بأدنى انتماء الى أي منها، على اي حال، بل كان يشعر باستقلاله التام، وهذا ما جعله، في الوقت نفسه، محل غضب الشلل المتحكمة في الأدب الاميركي، كما محل رضا أنواع الكتاب المستقلين والطليعيين كافة.

> طوال الفترة الفاصلة بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، أصدر ادموند ويلسون روايته الوحيدة «فكرت بديزي» (1929)، كما نشر عدة قصص قصيرة جمعها لاحقاً في مجموعة وحيدة حملت عنوان «مذكرات مقاطعة هيكات» (1946) وخمس مسرحيات جمعت في مجلد واحد العام 1954، كما نشر العديد من القصائد والأفكار في كتابين حملا عنواني «دفاتر الليل» (1942) و «أفكار ليلية» (1961).

> غير ان هذا كله لم يكن ما صنع مجد ادموند ويلسون، كما لم تصنعه نصوص أدب الرحلات التي كان يتفنن في كتابتها. ما صنع سمعة ويلسون ومكانته كان دراساته النقدية، ولكن خصوصاً عمله كـ «مؤرخ للأفكار» حسب تعبير الباحث ميشال غريسيه. ففي نصوصه النقدية كان ويلسون يبدو كرجل موسوعي من طراز رفيع، يستخدم كل مهاراته المعرفية وأسلوبه الجزل لتوجيه سهام النقد. والنقد بالنسبة اليه كان عليه دائماً ان يكون نقداً بنّاءاً، كما هو حال دراسته المتميزة حول الأدب الرمزي «قلعة اكسل» التي سبقت الاشارة اليها، وكذلك دراسته حول تاريخ الفكر الإشتراكي، بعنوان «محطة فنلندا» (1940)، ودراسته المرجعية حول العلاقة بين العصاب والإبداع الأدبي، «القوس والجرح» (1951)، ناهيك بدراسته الموسوعية حول الأدب الاميركي في القرن التاسع عشر بعنوان «صدمه الاعتراف» (1952).

> في أعماله جميعاً كان ويلسون حاذقاً هادئاً ثابتاً، إذ إن كاتبي سيرة حياته والباحثين في أدبه قالوا عنه على الدوام انه الرجل الذي أعاد اختراع ما يطلق عليه في الأدب الاميركي اسم «مراجعة الكتب» اذ لولاه لما كان لهذا النوع من النقد المكانة التي يحتلها الآن. كل هذا على رغم ان ويلسون يكاد يكون شبه منسي اليوم، بعد ما يقرب من نصف قرن على موته، هو الذي رحل عن عالمنا في العام 1972.

*نقلاً عن صحيفة "الحياة"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات