عاجل

البث المباشر

سوريا بين الكيمياوي والنووي

نطاق الضربات العسكرية المتوقعة ضد قدرات النظام السوري، إذا ثبتت، سيؤثر إلى حد كبير على مستقبل الحرب التي دخلت الشهر الماضي عامها السابع وعلى نفوذ حلفاء النظام الاقليميين وخاصة ايران وحزب الله. وقد تطال مضاعفات الحملة العسكرية أزمة الاتفاق النووي.

قبل استهداف المدنيين في دوما في نهاية الأسبوع الماضي، رأى خبراء الشؤون العسكرية أن التغيرات التي طرأت على موازين القوى في الميدان، ومنها إجبار قوات النظام المجموعات المسلحة على الانسحاب من الغوطة، وتدخل تركيا في عفرين، وتواجد القوات الأميركية في شرق الفرات، لا تشكل مؤشرات حسم الحرب لفائدة النظام. فالمجموعات المسلحة التي تجمعت في محافظة إدلب قد تعيد حساباتها وبعضها قد ينتقل إلى مرحلة حرب العصابات ضد النظام وكذلك ضد الخصوم الآخرين سواء ضمن صفوف المعارضة أو قوات النظام السوري، أو القوات التركية والأجنبية الأخرى. ويلاحظ الخبراء أن النظام، إذا ضمن السيطرة على محافظات دمشق والغوطة وحمص وحلب، إضافة إلى الساحل المتوسطي، فانه لا يمتلك أعدادا كافية من الجنود ورجال الأمن لتأمين مناطق نفوذه. وقد تجد القوات النظامية نفسها عاجزة عن مواجهة حرب العصابات مهما كان حجم دعم الميليشيات الايرانية والغطاء الجوي الذي توفره روسيا.

هذا الواقع الميداني سيتغير في سيناريو حملة القصف الغربي الذي قد تستهدف قدرات النظام. وإذا تركزت الحملة على البنية التحتية التي استخدمت في قصف المدنيين بالسلاح الكيمياوي، فانها ستطال شبكة الردارات والقوات الخاصة والقواعد الجوية التي انطلقت منها المروحيات والمختبرات والمستودعات التي يستخدمها النظام لخلط المواد السَّامة. وسيكون تأثيرها محدودا إذ هي تضعف قدرات النظام من دون القضاء على الوحدات الأساسية في الجيش السوري. وسيصحو النظام، بعد انتهاء الحملة، يفاخر بالصمود ويزيد في بطشه بالمدنيين في المناطق التي تتواجد فيها، أو تسربت داخلها، المجموعات المسلحة. هذا السيناريو قد يناسب مصالح أطراف عدة لا ترغب في سقوط نظام بشار الأسد كي لا تشهد سوريا سيناريو تفكك الدولة العراقية أو الدولة الليبية.
لكن جريمة استخدام السلاح الكيمياوي في دوما قد تكو ن الفرصة المناسبة بالنسبة إلى الدول الغربية وبعض الأطراف الاقليمية كي تشنَّ حملة قصف مكثف ضد مراكز القوة العسكرية المتبقية في الجيش السوري ومن دون استثناء الأجهزة السيادية مثل وزارة الدفاع ووزارة الداخلية وأجهزة الاستخبارات. ولن تستثني طبعا تجمعات القوات الايرانية وورشات تصنيع الصواريخ والميليشيات المذهبية التي استخدمت من الدول الأخرى لدعم النظام. ودون انتظار نهاية حملة القصف، قد يتيقن رأس النظام أن مصلحته تكمن في إعلان قبوله الجلوس إلى طاولة المفاوضات والانخراط الجدي في مسار جينيف التفاوضي. لكن المشكلة تكمن في أن النظام السوري لا يمتلك قراره. وقد تخرج عنه مجموعات مسلحة ترفض وقف الحرب لحماية مصالح الطوائف والأوساط التي خاصت الحرب منذ سنوات. ولعلها استفادت من تجربة المقاومة العراقية. فتتهيأ للمرحلة المقبلة من الحرب وتعدُّ ترسانتها العسكرية والتحالفات التي قد تنشأ على أطلال النظام.

وفي كل خطوة قد يخطوها بشار الأسد، يتوجب عليه أخذ الإذن من رعاته: روسيا التي حمته مرار من السقوط وخاصة منذ خريف 2015 وايران التي تزوده بالذخيرة البشرية والعتاد والمال طوال سنوات الحرب. وإذ يتفق الراعيان حول وجوب حماية النظام من السقوط فكلاهما له حساباته ومصالحه السياسية والاقتصادية والعسكرية. روسيا معنية بمستقبل القواعد العسكرية في المتوسط والاستثمارات النفطية وايران ستحاول الحفاظ على نفوذها المتسع من خلال دعمها الميليشيات المذهبية من جنوب العراق حتى لبنان وعلى بعض الوجود العسكري، إذا وافقت اسرائيل على طبيعة وحجم وحدود الانتشار الايراني، بعيدا عن حدود هضبة الجولان المحتل.

وقد تخلط ايران الملفات الاقليمية من أجل الحصول على بعض التنازلات كأن تقبل التراجع عن نفوذها في أزمة اليمن في مقابل وجود محدود في سوريا، وأن تضمن خاصة الحفاظ على الاتفاق النووي ولو انسحبت منه الولايات المتحدة. فالاتفاق يعني خلاص ايران من العقوبات الاقتصادية المؤلمة. ويرجح أن يصدر الاتحاد الأوروبي عقوبات ضد ايران قبل نهاية الشهر الجاري على خلفية ضلوع ايران في نزاعات المنطقة وتطويرها الصواريخ الباليستية. وستصدر العقوبات قبل أيام عن الموعد الذي حدده الرذيس ترمب لمراجعة الاتفاق النووي في 12 ايام المقبل. وإذا أقر الرئيس الأميركي انسحاب بلاده من الاتفاق النووي، فذلك سيعني فرض عقوبات شديدة قد تشمل حظر شراء النفط الايراني والتعامل مع المؤسسات المصرفية منها البنك المركزي الايراني. كل هذه المتغيرات ستجري في أسابيع قليلة وقد ترسم مستقبل حرب سوريا وأزمة الاتفاق النووي أقله في الأمد القريب والمتوسط.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة