التغير الفكري.. سيرورة وتراكم مجتمعي

حسن المصطفى

حسن المصطفى

نشر في: آخر تحديث:

أجرت إدارة الدراسات والبحوث بمركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني دراسة مسحية عن «التعايش في المجتمع السعودي»، استهدفت أربع مناطق جغرافية هي: المنطقة الشرقية (الدمام والهفوف والمبرز والخبر)، والمدينة المنورة، ومكة المكرمة، إضافة إلى نجران. وبلغ حجم عينة الدراسة 3140 مبحوثًا، بحسب الموقع الإلكتروني للمركز.

الدراسة خلصت إلى أن «82 % يؤمنون بحرية الآخر في اعتناق المذهب الذي يختاره دون إكراه، فيما أكد 61 % أنهم لا يمانعون من وجود أماكن للعبادة للمختلف معهم مذهبيًا»، وفيما يخص «المعتقدات المذهبية، أكد 81 % أنهم ينظرون إلى معتقدات الآخرين على أنها خصوصية ثقافية، فيما قال 72 % إنهم يحترمون عقيدة الآخر ولا يمانعون في ممارسة حقه في العبادة في الأماكن العامة».

العمل المسحي السابق، على أهميته، إلا أن هنالك أخطاء اعترته في المنهج، وتحديدا في المناطق المختارة، حيث تم استبعاد مدن من الضروري وجودها في دراسة عن التنوع المذهبي والثقافي. وهذه المدن هي: الرياض، بريدة، القطيف، جدة. ويمكن إضافة مدن أيضا مثل أبها وحائل.

المدن المشار إليها أهميتها أن بها ثقلا بشريا، وحضورا لمذاهب إسلامية مختلفة، وتيارات فكرية وثقافية عدة، فضلا عن تمثيلها القبائلي والحضري، والوزن الاقتصادي والتجاري.

الدراسة التي أجراها مركز الملك عبدالعزيز، لا تتعلق برأي الشارع السعودي حول قضية فنية أو موضوع هامشي، وإنما نحو قضية رئيسة، تقع في صلب التحول الوطني الذي تعيشه المملكة، وهي جزء من التبدل الثقافي الذي يتم العمل على تحقيقه بعمل دؤوب، يستغرق سنوات، ولا يتم بين ليلة وضحاها، ويتطلب تضافر جهود جهات عدة، بدءا بالمجتمع، والتعليم، والمؤسسات الأهلية، والخطاب الديني، والأهم نظرة الفرد إلى الآخر المختلف وحقوقه، وهو تغير عميق، لا يتم عادة بشكل ثوري، أو مفاجئ!

الدراسات البحثية في الأساس، ليست حملة علاقات عامة، وليست برنامجا تسويقيا للقول إن المجتمع تبدل إلى الأفضل، فيما المشكلات لا تزال قائمة.

الحياد، الموضوعية، العلمية، التمثيل الحقيقي، الصدقية، التحليل الدقيق، جميعها عوامل رئيسة لأي دراسة. لأنه من دونها يتحول العمل البحثي إلى بحث منقوص، تشوبه الثغرات، التي تؤدي لنتائج غير دقيقة.

معرفة وقياس الرأي العام، واتجاهاته من قضية ما، هو مهمة أساسية، لكي تقدم هذه المؤسسات صورة تقريبية، شفافية، ذات درجة عالية من العلمية. فهذه الأبحاث يراد للجهات الحكومية وهيئات المجتمع المدني الاستفادة منها، لوضع الخطط المستقبلية، ولمعرفة كيفية التعامل مع المشكلات القائمة.

الجهد الذي قام به الباحثون في مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني، محل اهتمام، لكنه لكي يكون مقنعا، خصوصا للمهتمين والمتابعين لتغير الخطاب الثقافي والديني، عليه أن يبني نتائجه على مقدمات سليمة، وهو ما أعتقد أنه فات الباحثين في عينتهم المختارة، ولذا أتت النتائج لتقدم صورة غير حقيقية عن مجتمع يكافح للتخلص من آثار الماضي والشفاء منها.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.