الصراع لإعادة تشكيل النظام الدولي

بسام البنمحمد

نشر في: آخر تحديث:

قبل ترمب، عصف أوباما بمفهوم توازن القوى الذي كان عمود النظام الدولي لفترة طويلة إلى أن تغولت روسيا وتمردت كوريا الشمالية وتمددت إيران، وكل ذلك كان سيلقى ردة فعل عنيفة تلقائية بمجرد ظهور علاماته البدائية في ظل النظام الدولي السابق. ليس لأنه النظام الأمثل أو الأعدل، ولكن لأنه يضمن الحد الأدنى لسيادة الدول وحماية حدودها ضمن مفهوم الأمن الجماعي والحفاظ على الوضع الراهن، ولكل دولة مصلحة في الحفاظ على وضعها داخل النظام الدولي ماعدا الدول غير القانعة والتي تمتلك أهدافاً توسعية تريد أن تغير من شكل النظام الدولي لصالحها وعلى حساب البقية.

فأتت سياسات أوباما التي لم تلعب ضمن مفهوم توازن القوى كضمانة لشكل النظام الدولي القائم، فخرجت الأمور عن السيطرة واستغلت روسيا ذلك الفراغ ولم تقاوم إيران ضعف توزيع إمكانيات القوى فراهنوا على ذلك ليغيروا شكل النظام الدولي لصالحهم وعلى حساب استقرار الدول الأخرى وسيادتها.

وما يفعله ترمب حاليا هو إعادة مبدأ توازن القوى إلى مكانه السابق عن طريق تحجيم الدول التي خرجت عن حجمها السابق ودورها ضمن النظام القائم لكي يعود العمل بالشكل التلقائي، فلا تتجرأ دول ذات أطماع توسعية أو غير ذلك من الإخلال بمبدأ توازن القوى ضمن التشكيل المتعارف عليه للنظام الدولي.

فتعرف كل دولة ذات قوى مؤثرة مساحتها ضمن هذا النظام وحدود تحركاتها ولا تحاول أي دولة أن تلعب أي دور يغير من شكل هذا النظام فيختل التوازن من نظام متعدد القوى ومعروف الأركان والأدوار إلى نظام تحكمه الأطماع التوسعية والتهديد المستمر لكل دولة متى ما تمكنت من الحصول على إمكانيات قوى أكثر.

وبالتالي لا يمكن الاعتماد على الأعراف السابقة كمبادئ متفق عليها مثل مبدأ سيادة الدول على حدودها القومية، فلا يعود لحدودها المعترف بها دولياً أي قيمة ما لم تتمكن من الحفاظ عليها بالقوة العسكرية والدبلوماسية المطلوبة. وبإمكان أي دولة ذات قوى عسكرية تفوق جيرانها أن تستغل قواها وتفرض مبدأ الأمر الواقع كما فعلت روسيا في شبه جزيرة القرم وفِي جورجيا وسوريا، وكما تحاول أن تفعل إيران في اليمن والعراق ولبنان وسوريا.

قد لا تكون سياسة توازن القوى مثالية للنظام الدولي ولكنها الأفضل ضمن حزمة الخيارات الأخرى المتاحة وبها ضمانات أكثر للإبقاء على المبادئ الرئيسية لاستقرار النظام الدولي وسيادة الدول فيه. ولا أعتقد أن ترمب يريد أن يعيد الشكل السابق من توازن القوى - قبل أوباما- لأنه يهتم بالنظام الدولي وتوازن توزيع القوى فيه إنما لأنه يريد أن يعيد لأميركا مكانتها المتعارف عليها في قيادة هذا النظام والمحافظة على توازنه بما يخدم مصالحها بالدرجة الأولى وبما يضمن الحد الأدنى من الاستقرار النسبي لبقية الدول.

لكن من المهم أن يعي الفاعلون في المجتمع الدولي أنه كلما تأخرت ردة الفعل على أي سلوك من أي دولة تريد تغيير التوازن لصالحها سواء باستعمال قوى عسكرية أو أدوات القوى الناعمة الأخرى كان الفعل المطلوب لتصحيحها أو لإعادتها لشكلها السابق أكثر كلفة وعنفا، ومتى ما كان التدخل سريعا كانت الكلفة أقل والحاجة للدور العسكري أقل.

إنما تبقى لدي ملاحظة أخيرة هي أنه من خلال قراءة الأحداث المتسارعة والنظر لعدد من المؤشرات يتبين أن هناك هذه المرة عملية إعادة ترتيب مختلف لشكل النظام الدولي ضمن مفهوم توازن القوى، وقد يكون بتشكيل جديد وأدوار جديدة ومختلفة. وفي تصوري وبحكم التطورات في القيادات الدولية والإقليمية وسياساتهم فإن الترتيبات قائمة ليكون للمملكة العربية السعودية مقعد على طاولة الدول الكبرى التي تشكل مقصورة القيادة للنظام الدولي وتوزيع إمكانيات القوى فيه بشكل أكثر فاعلية بعد أن تشكل منذ بدايته من غير أي دور فاعل لمن يمثل الثقل الحقيقي للعديد من الدول والمناطق الجغرافية ذات الكثافة السكانية الأكبر.

*عضو مجلس الشورى والرئيس التنفيذي لمركز دان للدراسات والأبحاث الاستراتيجية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.