#السعودية_أولا

عبد الله المطيري

نشر في: آخر تحديث:

شارك عدد كبير من السعوديات والسعوديين في هاشتاغ #السعودية_أولا. الأفكار والمشاعر التي طرحها الكثيرون في هذا الهاشتاغ ستعتبر طبيعية وغير مشكلة في السياقات العادية لكثير من المجتمعات والدول. المنطق هنا لا يتعدى فكرة "الأقربون أولى بالمعروف"، أو أن أهل بيت الإنسان أولى برعايته. هذا المنطق مقبول حتى على المستوى الأخلاقي، باعتبار أنه لا إشكال أخلاقيا في أن يتحمل الإنسان مسؤوليات لها الأولوية عن أفراد محددين أو جماعة محددة. مثلا الأب عليه مسؤولية تجاه أبنائه، وهذه المسؤولية لها الأولوية مقارنة بالمسؤولية التي تقع عليه تجاه أبناء غيره. لذا نلوم الإنسان على إهمال أطفاله ولا نلومه بشكل مباشر على الإهمال الذي يقع على أطفال غيره باعتبار أنه مسؤول بشكل أولي عن أبنائه هو على وجه التحديد.

كذلك هذا التعبير عن كون السعودية الوطن لها الأولوية عند السعوديين تعبير طبيعي وسليم، ليس فقط على المستوى السياسي والوطني، ولكن حتى على المستوى الأخلاقي من جهة العلاقة بالآخر، خصوصا إذا تذكرنا أن "السعودية أولا" لا تعني "السعودية فقط" أو "السعودية أولا وآخرا". بمعنى أن المواطنة السعودية حين تعلن أن السعودية أولا فهي لا تعني بالضرورة أن مسؤولية السعودية عن القضايا الأخرى انقطعت أو تلاشت. كل ما في الأمر إعادة ترتيب للأولويات بحيث تكون السعودية أولا وغيرها ثانيا. هذا الترتيب يكون حاسما حين نحتاج أن نختار بين مصلحة السعودية أو غيرها. بمعنى أن نكون أمام احتمال أن نوقع الضرر بالسعودية وشعبها من أجل تحقيق مصلحة لغير السعودية. هذا الاحتمال هو ما يرفضه كثير من السعوديين والسعوديات في هذا الهاشتاغ، وهو منطق قريب من منطق "ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة" المقبول لدى الكثير.

كل هذا يبدو طبيعيا ومباشرا في سياقات كثيرة، ولكنه في السياق السعودي يبدو حدثا جديدا إذا لم نقل استثنائيا، ولذا أخذ هذا الصدى الكبير. ولكن لماذا يعتبر إعلان السعودي عن أن السعودية لها الأولوية حدثا جديدا ومُشكِلا؟ هنا لا بد أن نفهم السياق الفكري والأيديولوجي الذي طغى على الخطابات الأكثر تأثيرا على الوعي السياسي الشعبي في السعودية. أطروحتي كالتالي: الخطابات السائدة جعلت من السعودية ثانيا في الوعي الشعبي أو على الأقل جعلت من منطق السعودية أولا منطقا غريبا وإشكاليا. الخطابات السائدة لفترات طويلة هي الخطابات الأممية بشقيها الإسلامي والعروبي. في هذا الخطابات يكون الترتيب هكذا: المسلمون أولا، العرب أولا. ترتيب الهويات هنا يختلف: في أحسن أحوال هذه الخطابات يكون الترتيب كالتالي: الهوية الإسلامية أولا، ثم السعودية ثانيا، الهوية العربية أولا ثم السعودية ثانيا. لكن في كثير من الأحيان نجد أن الهوية السعودية ذاتها تسبب لها إشكالا باعتبار أنها تنازع الهوية الأممية. في هذه الخطابات كان تشكّل الدول الحديثة في الشرق الأوسط ومنها الدولة السعودية علامة على التفكك والخسارة. تشكل الدولة السعودية في هذه الخطابات قصة حزينة ويوما أسود يتم قبوله فقط كجزء من الواقع ولكن يبقى الحلم في التخلص من هذه الدولة والوصول إلى الدولة الحلم الدولة الأممية. في المقابل يبدو منطق هاشتاغ السعودية أولا قائما على أن الدولة السعودية قصة نجاح وإنجاز ونفع، وأنها مشروع نتمنى أن يستمر لا باعتباره مشروعا في خدمة مشروع آخر بل باعتباره مشروعا يحقق النفع لأهله ومن عاش معهم.

الخطابات الأممية كانت المسيطرة في الأدبيات المكتوبة باللغة العربية إلى وقت مبكر وتسللت مفرداتها ومنطقها إلى التفكير العام بفعل الانتشار وإلا فإن منطقها يخالف التفكير المباشر للإنسان وحرصه على مصلحته. ما يجري مع هذه التيارات لا يختلف عن مشهد أن تقول للإنسان أهل الحارة لهم الأولوية على أهل بيتك، أو أنه يجب عليه أن يضحي بمن في بيته من أجل الآخرين. هذا المنطق تتم مخالفته في وعي سعودي متنامٍ يوما بعد يوم. لا بد هنا من إيضاح طبيعة هذا الموقف الجديد واختلافه عن مواقف سابقه مشابهة مثل هذا الموقف: نعم يجب أن نضحي جميعا من أجل تحقيق الدولة الإسلامية أو العربية ولكن باعتبار أن الآخرين لا يضحون فأنا لا أضحي كذلك. هذا الموقف يقبل الأطروحة الأساسية ولكنه يعترض على عدم الصدق في التنفيذ. اليوم هناك منطق أكثر جذرية يرفض منطق التضحية بالسعودية من أجل هدف أكبر.
المنطق الجديد، منطق #السعودية_أولا ليس منطقا انعزاليا بالضرورة ولا يتناقض مع كون السعودية جزءا من العالم وأن عليها مسؤوليات تجاه الكوارث والظلم الذي يحدث في العالم. كل ما هناك أن للسعودية وأهلها الحق في العناية بأنفسهم أولا ثم العناية بالآخرين ثانيا في حدود طاقتهم وقدرتهم بدون أن يزايد أحد عليهم أن هذا الموقف موقف خذلان وتنكر. المنطق الجديد منطق واعٍ وليس مجرد ردة فعل غاضبة سرعان ما تتلاشى مع حالات عاطفية طارئة. السبب الرئيسي في رأيي أن الخطاب الجديد متحرر من الأيديولوجيات الأممية وفي ذات الوقت لديه البديل السياسي والأخلاقي الداعم لموقفه. هذا البديل شعاره: نعم أنا جزء من العالم ونعم علي مسؤولياتي كغيري من شعوب العالم ولكن مسؤولياتي تجاه بلدي وأهلي لها الأولوية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.