لا تتفل في ماء البئر!

عصام أمان الله بخاري

نشر في: آخر تحديث:

لدي صديق كان يعمل مستشاراً لوزير في إحدى الوزارات الكبرى في دولة عربية، وكان موظفو الوزارة يتلمقونه ويتقربون إليه لعلاقته المميزة ومكانته لدى الوزير. ولكن جرت الرياح بما لا تشتهي السفن ووقع خلاف بين صاحبنا وذلك الوزير الذي أقاله من منصبه. وفوجئ صاحبنا بعد صدور القرار بمن كانوا يستقبلونه بالبشاشة والابتسامات بالأمس صاروا عابسي الوجوه ومعاملتهم قاسية خشنة كأن لم يكن بينهم مودة. وصعق صاحبنا خصوصاً من موظف له نزع عن وجهه الأقنعة وراح يتجاهل حتى السلام عليه أو الإجابة على اتصالاته وهو من كان قد عينه في ذلك الموقع.. ومرت أيام عصيبة بصاحبنا من صدمة الموقف ومما أدرك من قدرات تمثيل عالية لدى من كانوا حواليه تضاهي مهارات ممثلي هوليود وبوليود. وتدور الأيام من جديد ويرفع الوزير السماعة على صاحبنا ويقرر إعادته من جديد لذلك المنصب كمستشار وبمميزات أعلى وصلاحيات أقوى. يقول صاحبي: «أقوى دافع لعودتي كان لرؤية أوجه أولئك المتلونين بعدما أعود إليهم من جديد!». وفعلا ما إن جلس صاحبنا على كرسيه إلا ويفاجأ بذلك الموظف هاشاً باشاً فاتحاً ذراعيه يريد عناق صاحبنا. فما كان منه إلا أن أعطاه نظرة حمراء وصرخ قائلاً: «اغرب عن وجهي يا منافق ولا أريد أن أراك في هذا المكتب مرة أخرى!». مقالة اليوم حول المتلونين والمنافقين لأصحاب المناصب والكراسي...

للأسف الشديد هذه النوعيات من الناس موجودة في كل زمان ومكان مهما اختلفت الأديان والثقافات والبلدان. ومن النادر جداً في القرن الواحد والعشرين أن تجد شخصاً يجتمع حوله الناس بحب حتى بعد مغادرة المنصب. ونصيحتي لمن غادروا المناصب وصدموا بأمثال هؤلاء بالتفكير بإيجابية في مدى المكاسب الكبرى في التخلص من هذه النوعيات من المحيط المجاور بالإضافة إلى العطف على حالهم وهم يتلونون يوماً بعد يوم في طلب رضا من سيجلسون من بعده على الكراسي الدوارة.

وأعرض عليكم عدداً من نصائح من عانوا من هذه الأصناف من البشر:

«ستواجه صنفا لا يفكر إلا بنفسه، وآخر سيخذلك في منتصف الطريق. وآخر ينكر معروفاً لك كأنه لم يعرفك يوما». ويليام شكسبير.

«ستصل إلى النضج الذي يجعلك ترفض التورط بعلاقة مؤقتة أو صداقة باردة أو جدال أحمق أو التعلق بالزائفين». دوستويفسكي.

لا تجعل الناس تندم على معرفتك، اجعل الناس تندم على خسارتك!». نيل جايمان.

« لا تنحني لتلتقط من سقطوا من حياتك، واصل وستقابل الأفضل». بوب مارلي

«أنا لا أكره أحداً، حتى أصدقائي الذين خذلوني..لا زلت أحبهم لكني لا أستطيع تقبلهم بجواري مرة أخرى». أندريه تاركوفوسكي

«لا تحزن فقد كانوا لا يستحقونك فأبعدهم الله عنك». د. غازي القصيبي - رحمه الله -

ونصيحتي للمتلونين والمنافقين والذين في قلوبهم مرض في التعامل مع الناس، إن لم يكن هنالك ضمير أو أخلاقيات مع من أحسن إليكم، وحتى إن لم يكن هنالك إنسانية فأنصحكم بالتريث قليلاً وإعادة حساباتكم ببراجماتية قبل نزع الأقنعة والكشف عن أوجهكم فالدنيا تدور ومن سقط اليوم قد يصعد غداً.

وأختم بالمثل الكوري: «لا تتفل في ماء البئر، فقد تحتاج أن تعود إليه وتشرب منه يوما!».

*نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.