عاجل

البث المباشر

ممدوح المهيني

صحفي سعودي

عندما بكت ميركل أمام أوباما

بعد انتصار الرئيس ترمب بالانتخابات لم يصدق بن روود، أحد أقرب المستشارين للرئيس أوباما، ما يحدث أمام عينيه. جلس منعزلاً بعيداً عن الزحام مصدوماً ينظر إلى الفراغ. عندما سئل في المقطع الذي انتشر له، قال إنه كان يحتاج لدقائق من الصمت، ليترك عقله يستوعب ما حدث، ثم قال متلعثماً: "لا أَجِد كلمات معبرة".

ولكن روود ليس وحيداً في حالة الإنكار والصدمة، حتى رئيسه مر برضة نفسية استمرت لأسابيع، كما ذكر روود نفسه في كتابه الذي سينشر بعد أيام بعنوان "العالم كما هو". في الواقع أتى فوز الرئيس ترمب بشكل صادم للديمقراطيين الذين لم يشكوا لحظة بانتصار كاسح لهيلاري ومذل لخصمها الجمهوري، حتى إنهم جهزوا الألعاب النارية للاحتفال بالفوز التاريخي. ولكن بعد أن أفاق أوباما من الصدمة قال وهو محاط بمساعديه داخل سيارته المصفحة: "ماذا لو كنا مخطئين. ماذا لو أننا دفعنا أكثر مما يجب نحو التقارب والعولمة في الوقت الذي يريد فيه الناس العودة لقبائلهم". ويقصد بالقبيلة السياسية أو الدينية والعرقية وغيرها من الانتماءات الفرعية.

ولكن أوباما شعر أيضاً بالخذلان والإهانة من استبدال الأميركيين له بشخص كان يصفه بالمهرج شكك حتى بمكان ولادته. هذا يعني أنه لم يكن محبوباً ومعبوداً كما كان يتوقع، أو كما أقنعه المحيطون، حيث كانوا يرددون على مسامعه بأنه لو قام بترشيح نفسه لمرة ثالثة فلن يجد أي صعوبة في النصر. وصف أوباما ترمب حتى بعد فوزه بالشخصية الكرتونية المهتمة بحجم الأنصار، وأغاظه أن يخلفه شخص مثله. حالة الغضب والاحتقار رافقها إحساس بالتأمل الروحاني الذي يعقب الأحداث المهولة، وبالفعل فوز ترمب بدا لمناوئيه كيوم الحساب وسخط من السماء. ولكن أوباما قرر أيضاً أن يخرج من هذه الحالة اليائسة ويرفع من معنويات فريقه المنهار نفسياً، حيث كتب لروود مرة: "تذكر أن نجوم السماء أكثر من حبات الرمال".

في لقائه الوداعي مع المستشارة الألمانية ميركل لمح أوباما الدموع تلمع في عينيها وقال إنه يعرف السبب: "ستكون وحيدة في الدفاع عن القيم الليبرالية". وقررت ميركل أنها ستخوض الانتخابات مجدداً لتقف أمام شعبوية ترمب، كما تعتقد.

هذه بعض المقتطفات من الكتاب، والتي تعكس حالة الرئيس السابق وفريقه بعد صدمة الهزيمة. ولكن قبل التعليق على ما جاء فيه، يوحي الكتاب بشكل متعمد أن الرئيس أوباما وفريقه مازالوا مصدومين فقط، وليس بيدهم ما يفعلونه، لأنهم مؤمنون بالتحول الديمقراطي حيث ينعزل الرئيس السابق ويرفض حتى التعليق على قرارات الرئيس الحالي حتى لا يضعف من مكانة الرئاسة، وهذا يفعله في العادة الرؤساء السابقون. هذه الصورة الوردية غير صحيحة، وقد رأينا أوباما يعلق مرات عديدة منتقداً وساخراً، وكان آخرها الرسالة الطويلة التي كتبها بعد انسحاب إدارة ترمب من الاتفاق النووي وجون كيري يلتقي المسؤولين الإيرانيين علانية.

ولكن أيضاً فريق الممانعة لم يتوقفوا عن المشاركة والتعليق والهجوم، ومثال وحيد على ذلك جون برينان، رئيس الاستخبارات في عهد أوباما، الذي حول حسابه على تويتر إلى منصة هجوم شنيع على الإدارة الحالية في كل خطوة تنجزها حتى تلك التي يعتقد بشكل واسع أنها جيدة مثل المفاوضات مع كوريا الشمالية.

يسعى المستشار المقرب من أوباما إلى إظهاره بصورة المفكر والمتأمل الذي تمزقه الشكوك، ولكنه يصوره، بطريقة غير مقصودة، كشخص تسيطر على عقله الأوهام. حديثه على أنهم حقنوا المجتمع بجرعة زائدة من التقدم أكثر مما يتحملون وهم يريدون العودة إلى قبائلهم، يكشف عن التقديرات الذاتية المبالغ فيها. أحد المستائين من هذه الإهانة رد عليه: "سيادة الرئيس.. نحن أمة ولسنا قبائل". يوقن أوباما فعلاً أنه قام بتغيير عقول الناس منذ وصوله للرئاسة، ويستغرب أن القوم ارتدوا عن الوصايا الثمينة التي تركها لهم. ولهذا قال متحسرا: "ربما أتيت مبكراً ٢٠ سنة".

ولكن مثل هذا الحس الرسولي تخالفه الأرقام على الأرض. خرج أوباما من البيت الأبيض وقد ترك وراءه ملايين البشر الضعفاء مشردين ومهاجرين وأبرياء مدنيين يتعرضون للقتل الجماعي بدون أن يستخدم القوة الأميركية الهائلة للخير (كما فعل قبله رؤساء لم تتسلل إليهم أوهام النبوة)، وإيقاف سفك دماء الأطفال على يد طغاة وضعاء. صحيح أن أوباما يعتقد أنه مرسل للأميركيين والأوروبيين فقط وليس العالم، ولكن هذا الرد بالضبط يجب أن ينزعه عنه مثل هذا الإحساس بأنه كان يملك مهمة خاصة غيرت العقول. وحتى في الداخل الأميركي لم يكن أوباما شعبياً إلا عند مناصريه، ولكنه كان مكروهاً عند قطاعات واسعة، وهي من أتت بترمب للبيت الأبيض. من الواضح أنه كان يعيش داخل فقاعة من التخيلات وهلاوس العظمة.

ولكن القصة الطريفة هي حواره مع ميركل وعينيها المغرورقتين وقناعتها بأنه تركها وحيدة تدافع عن العالم الحر. كم هي حكاية رومانسية مضحكة، لأن أوباما هو من وقع صفقة مع النظام الإيراني الذي لا يُؤْمِن فقط بالقيم الليبرالية التي يبشر بها ولكنه لا يعترف حتى بأبسط المبادئ الدولية التي تعارفت عليها الدول منذ عقود طويلة. وميركل حامية الحرية والقيم الليبرالية غاضبة بشدة من الأميركيين بسبب انسحابهم، ولكنها أيضاً تقف بعناد وصرامة أمام كل العقوبات الأميركية على نظام ملطخ بدماء الإيرانيين قبل دماء الأمم الأخرى.

أوباما فصل من التاريخ انتهى بعيوبه وحسناته، ولكن معرفة مثل هذه القصص والحكايا السرية مهمة لنعرف كيف تفكر هذه الزعامات التي بيدها مفاتيح التاريخ وتغيير العالم. قيادات غير شريرة ولكنها منغمسة بذاتها. خطورتها تكمن بإيمانها التام بامتلاكها الحقيقة المطلقة وكتالوج حلول مشاكل العالم المتخيل الموجود في عقلها فقط، في الوقت الذي يهوي فيه العالم الحقيقي إلى هوة من الدماء والآلام.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات