عاجل

البث المباشر

فارس بن حزام

كاتب وصحافي سعودي

السعودية الخمينية

هل يُمكن تخيل المملكة العربية السعودية في صيغة إيران الخمينية؟

ليس هزلاً. فهذا الشكل، الذي كاد الإسلاميون أن يقودونا إليه في المملكة.

النموذج "الإيراني" قدم صورته بشكل واضح، لا من حيث التمسك بالسلطة وقيادة الدولة بـ"ولاية الفقيه"، ولا من حيث النداء بـ"أممية الثورة الخمينية" وتصدير أفكارها العليا، ووصل ولاية الفقيه حتى البحر الأبيض المتوسط. لقد استقى هذا النظام الشعارات من الأمثلة الكبرى في القرن العشرين كالشيوعية مثلاً، فاحتكر القوة والقيادة والهداية، وتحول إلى نظام ثوري فاشل، متعطش للقتال والدماء، يزرع الفقر والعوز في نفوس مواطنيه.

أقول عن هذا الفشل الحي بخذلان شعب بأسره، ليس نموذجاً يتطلع إليه الناس الطبيعيون، لكنه لم يكن بعيداً عن المملكة العربية السعودية، فقد كانت ملامحه بادية في مراحل زمنية بعيدة وقريبة.

فبداية هذا النظام الغارق في وهم "حاكمية الفقيه"، شابهتها محاولات مثيلة في السعودية عبر التجمعات الصغيرة. فما جرى في إيران عندما حول رجال الدين الحوزات إلى معسكرات فكرية لتجنيد الأتباع وإدارة الصراع مع النظام الحاكم، فقد سعى أمثالهم في السعودية إلى التنظيمات الخفية في أولها ثم المعلنة في نهايتها، سواء في العمل السلمي أو الإرهابي المسلح. وفي كلا البلدين وقعت حوادث اغتيال بشعة. جماعة الخميني في بداية تشكلها قتلت أميركيين وكبار رجال أمن تحقيقاً للدعاية، ولتكون مادة إعلامية للحديث في المحافل الدولية، ما حدث في السعودية أيضاً. وفي إيران وقتها لم يكن أحد يجرؤ على انتقاد الأعمال الإرهابية، لأنه سيصاب بوابل تخويني في المجتمع، كما حدث في السعودية أيضاً.

في عام 1929 كانت معركة السبلة بين حاكم يريد بناء دولة حديثة، وآخرين سارعوا إلى تبني ذلك النهج، الذي صار مستقبلاً "الثورة الخمينية"، لكن المؤسس السعودي انتصر، وبعد ثلاثة أعوام من المعركة الفاصلة أتم أركان الدولة وأقام المملكة العربية السعودية. وفي عام 1979 قاد متطرف أكثر من مئتين مثله، ليحتلوا الحرم المكي، والهدف هو بناء نموذج في البلاد شبيه بالنموذج الذي تشكل في إيران قبل هذه الواقعة بعشرة أشهر. ثم في عام 1994، تم القضاء على تحرك واسع في البلاد كانت مدينة بريدة بؤرته، والهدف أن تبذر بذور نظام يحاكي التجربة الخمينية. وفي عام 2003، سلكت المحاولات مسارين متزامنين، مسار عملي مسلح وآخر نظري، وسعى الطرفان إلى إيهام الدولة والرأي بتباعدهما. وفي عام 2011، ارتدت المحاولات الشبيهة حلة عربية أوسع، لتمضي مع مصر والبقية فيما سمي بـ"الربيع العربي".

علينا ملاحظة أن العلاج الحكومي في المراحل الأربع بعد قيام المملكة أخذ شكلاً واحداً، إذ تم الاكتفاء بالعلاج الأمني الموضعي، مع تنازلات واسعة للتطرف الفكري، بعكس العلاج الاستئصالي الشامل في معركة السبلة قبل تسعة عقود، وهو ما فعلته المملكة في العام الماضي 2017.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة