عاجل

البث المباشر

علي العميم

<p>باحث سعودي</p>

باحث سعودي

انقلاب قَدِم من مسلمي الهند

الرأي البارز لدى الفقهاء وعلماء الدين والمؤرخين والمثقفين في العالم العربي في معظم سنيِّ القرن العشرين –وفي طليعتهم المصريون– أن الجهاد في سبيل الله ذو طبيعة حمائية دفاعية وليست توسعية هجومية. وكان هذا الرأي هو الرأي السائد في الكتب الثقافية العامة التي تتحدث عن مزايا الإسلام ومحاسنه، والتي تعرض مبادئه وتستعرض تاريخه، والتي تتعرض لقضية الجهاد، والتي تتناول قضية انتشار الدعوة الإسلامية في العالم القديم، والتي تُعنى بالرد على ما يقوله المستشرقون والمبشرون عن الإسلام ومنه ما يقولونه في هاتين القضيتين من حكم وتفسير. لذلك كان هذا الرأي رأياً واسع الانتشار لدى طلبة وطالبات المدارس وزُمَر القراء والقارئات، ولدى طبقات شتى فاعلة ومؤثرة في المجتمع العربي. وكان هذا الرأي يجد قبولاً حتى لدى فئات متدينة فيه، وكان يأخذ به بعض فقهاء الإخوان المسلمين ومثقفيهم في مصر وفي سوريا وفي العراق، ويتبناه كثرة من طلاب المعاهد والكليات الدينية ومن أساتذتها الذين هم على تماسٍّ مع مؤثرات الثقافة الحديثة، ويصغون إلى بعض كَلِمها ويأخذون ببعض معاييرها وقيمها في الدفاع عن العقيدة الإسلامية والمنافحة عنها.
تبعاً للرأي السالف الذي كانت له الأرجحية في العالم العربي، كان يُنظر إلى تقسيم العالم في التشريع الإسلامي إلى «دار الإسلام» و«دار الحرب»، وإلى تحوُّل الأخيرة في عهود السلم المؤقتة إلى «دار السلام» و«دار العهد»، ويُنظر إلى أحكام «أهل الذمة» و«المستأمن» و«الجزية»، على أنها كان لها مبررات ومسوغات وحيثيات معتبرة ووجيهة في العصور الدينية، لكنّ ذلك التقسيم وتلك الأحكام هي في ذمة التاريخ، وهي غير قابلة للاستئناف والاستعادة والحياة في العصور الحديثة، مثلها في هذا مثل تقسيم العالم إلى تقسيم إجمالي ثنائي في المسيحية: «أمم مسيحية» و«أمم كافرة».
كذلك كان الأمر لدى مسلمي الهند، وبخاصة عند نخبه الدينية العصرية ونخبه العلمانية. وترجع أرجحية ذلك الرأي عند المسلمين إلى تأثير المدرسة الإصلاحية الدينية في الهند وفي مصر في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين التي كيَّفت ووفّقت ما بين أصول العقيدة الإسلامية ومقتضيات العصر الحديثة، وإلى نشوء وعي مدني مطابق لذهنية هذا العصر ومستقل عن النظرة الدينية، وإلى عوامل أخرى لسنا بصدد الخوض فيها.
في ظل توترات وأعمال عنف متبادل بين المسلمين والهندوس في الهند كانت ذروتها إقدام مسلم هندي اسمه عبد الرشيد على اغتيال زعيم حركة تهنيد المسلمين (أي تحويل المسلمين إلى الديانة الهندوسية)، سوامي شردهانند عام 1926، تلتها حملة فكرية انتقادية للإسلام والمسلمين من قبل الهندوس، عكف صحافي ومثقف شاب، يبلغ من العمر ثلاثاً وعشرين سنة على تأليف كتاب في ذلك العام، يفنّد فيه الرأي السالف في تحديد طبيعة الجهاد، ذاهباً إلى أنه جهاد دفاعي وجهاد هجومي، أو بلغة الأقدمين جهاد دفع وجهاد طلب، وأن الجهاد الثاني له الأولوية على الجهاد الأول، وأن الجهاد لم تلتغِ أسبابه ولا يمكن إلغاؤها، لأنه من صميم الإسلام، وهو الوسيلة المثلى لنشر الإسلام وبسط نفوذه على العالم. وقد صدرت أول طبعة من هذا الكتاب عام 1927.
هذا الصحافي المثقف الشاب هو أبو الأعلى المودودي. وهذا الكتاب هو «الجهاد في الإسلام».
في نشرة إعلامية إعلانية وتعريفية بـ«الجماعة الإسلامية» صادرة عن دار العروبة للدعوة الإسلامية بباكستان التابعة للجماعة الإسلامية، أشرف على طباعتها مسعود الندوي معتمد الدار، وأحد أتباع المودودي ومترجم بعض أعماله إلى العربية، والمتوفى عام 1954، قيل عن ذلك الكتاب: «كتاب فذّ في موضوعه لم يؤلَّف مثله من بدء تاريخ الإسلام إلى يومنا هذا في لغة من لغات العالم»!
ويروي أتباع هذه الجماعة التي أسسها ورأسها أبو الأعلى المودودي منذ عام 1941، أن الكتاب نال استحسان فيلسوف الإسلام محمد إقبال وإعجابه، فقال عنه: «لم يمر أمام نظري مثل هذا الكتاب العلمي الجامع الذي كتب عن هذا الموضوع باللغة الأردية»!
يخبرنا مسعود الندوي –الذي كان مودودياً وسلفياً في آن– في يومياته في بغداد أنه يوم الثلاثاء بتاريخ 5 يوليو (تموز) 1949 «حضر محمد كمال الخطيب ظهراً، وجلس لساعة أو ساعتين، تحدثنا فيها عن أمور متعددة، وجاء ذكر الجهاد، فقلت: إن العلماء في مصر ابتداءً من محمد عبده حتى الآن يقولون بأن الجهاد هو جهاد دفاعي (سلبي)، ومن المحير أن عبد الوهاب خلاَّف في كتابه (السياسة الشرعية)، وعبد الرحمن عزام في كتابه (الرسالة الخالدة)، ومحمد حسين هيكل في كتابه (محمد)، يرددون أيضاً هذا الأمر، ويقولون بأنه جهاد دفاعي. ويبدو أن هؤلاء الناس يفهمون الحقيقة ولكنهم يخشون قولها، خوفاً من علماء أوروبا، وهذا هو ما يطلق عليه الشعور بالنقص أو العقلية الانهزامية، وهو أمر يدعو للأسف.
وحين سمع محمد الخطيب هذا ألقى على الفور خطبة قصيرة في الدفاع عن الجهاد الدفاعي، وعندما أوضح العبدُ لله الجهاد الدفاعي والجهاد الإصلاحي، كما ألقيت الضوء على نزول بعض آيات القتال، وترتيبها التاريخي، اطمأن لحديثي، ثم أطلعته على كتيب (الجهاد في الإسلام للمودودي) وقلت: حتى الآن لم يُكتب ولم يُنشر عن هذا الموضوع أيُّ كتاب بأي لغة غير هذا. فقال: ليته يُترجم إلى العربية. فقلت: عندنا نية لترجمة جميع الكتب المهمة، لكننا لا نجد كاتباً جيداً بالعربية في الهند، والعبد لله لا يستطيع أن يعمل كثيراً، نظراً إلى تدهور صحته، على كل حال لن تتوقف عملية الترجمة».
محمد بن كمال الخطيب الذي دار هذا الحوار بينه وبين الشيخ الهندي المعتنق لأفكار المودودي، دمشقي سوري يعمل بالمحاماة، وكان عضواً في جمعية التمدن الإسلامي، ومسؤول تحرير مجلتها مجلة «التمدن الإسلامي». وقد تعارفا في منتصف الثلاثينات الميلادية، لتبادلهما معاً هذه المجلة ومجلة «الضياء» التي كانت تصدر عن ندوة العلماء بالهند، وكان مسؤول تحريرها مسعود الندوي، والتقيا صدفة في أثناء زيارتهما لبغداد. وقبل أن يلتقيا صدفة كان الخطيب الشاب الثلاثيني (ت 2000)، قد نشر في مجلته «كُليمة» في كتاب المودودي «نظرية الإسلام السياسية» المترجَم إلى العربية، ولما التقيا صدفة داعبه حول سجن المودودي. وبعد المداعبة دار الحديث عن هذا الكتاب، فأخذ يشكو إلى الشيخ مسعود قلة التفاصيل فيه، فقال له: إن «هدف هذه الكتيبات أو الكتب –يقصد كتب الجماعة الإسلامية وكتب مؤسسها ورئيسها– تقديم الأصول فقط، وتوجيه الفكر إلى الاتجاه الإسلامي الصحيح».
وفي ثاني لقاء بينهما أخذه محمد بن كامل الخطيب إلى وكالة أخيه ماجد لبيع المجلات العربية، وهناك حصلا على العدد الجديد من مجلة «التمدن الإسلامي» الذي تضمن عرضاً لكتاب المودودي «مناهج الانقلاب الإسلامي» المترجم وقتذاك إلى العربية. وقد أخبر الخطيب الشيخ مسعود بأنه قد اطّلع على الكتاب عند الشيخ قمر الدين في مكة المكرمة.
توَلَّت مكتبة لجنة الشباب المسلم في القاهرة التي تكفل بتأسيسها والصرف عليها مالياً مجموعة من شباب الإخوان المسلمين المهتمين بالناحية الثقافية والفكرية، والتي كان الشيخ حسن البنا منصرفاً عنها في تسيير شؤون جماعته، نَشْر بعض أعمال المودودي التي قامت دار العروبة للدعوة الإسلامية بباكستان بترجمتها من الأوردية إلى العربية، ونشر بعض أعمال أعضاء الجماعة الإسلامية الباكستانية المكتوبة أصلاً باللغة العربية، مثل بعض أعمال أبي الحسن الندوي ومسعود الندوي.
إن دار العروبة للدعوة الإسلامية ومكتبة لجنة الشباب المسلم التي صودرت وأغلقت عام 1953، هما أول من نقل فكر المودودي إلى البلاد العربية. ومن شدة حماس مكتبة لجنة الشباب المسلم الإخوانية لفكر المودودي الجديد عليها، وضعت على غلاف كتيب له اسمه «الإسلام والجاهلية»، نشرته ضمن مطبوعاتها، شعار الجماعة الإسلامية الباكستانية المعنون «دعوتنا» الذي ينزّ برغبة شبقة محمومة، لا في قلب أوضاع العالم الإسلامي فحسب، وإنما أوضاع العالم بأجمعها.
هذا النزق الديني ابتدأ أول ما ابتدأ عند المودودي مع أول تأسيس لجماعته، حين تنطح إلى قلب الهند بأسرها إلى الإسلام، ليحكمها المسلمون الذين هم أقلية في بلادهم.
من ضمن كتيبات المودودي التي نُشرت كتيبه «الجهاد في سبيل الله»، والذي هو عبارة عن محاضرة ألقاها عام 1939، تضمنت خلاصة كتابه «الجهاد في الإسلام».
عن طريق كتيبه «الجهاد في سبيل الله» –لا عن طريق كتابه «الجهاد في الإسلام» الذي لم يُترجم إلى العربية إلا في عقد متأخر جداً– تأثر سيد قطب وسواه من رواد الأصولية في العالم العربي بأطروحته المضادة لما هو مستقر من رأي حول الجهاد عند نخب من بلده من مسلمي الهند وعند نخب متعددة وجمهرة من سواد الناس في العالم العربي.
وعن طريق سيد قطب الذي نوَّع على أطروحة المودودي المضادة في ذلك الكتيب، تفشى لدى الجماعات الدينية المغالية، وكذلك حركة الصحوة الإسلامية بعمومها، الفهم الذي أحال الإسلام إلى دين عسكري ذي عقيدة حربية وقتالية عدوانية.
إن الجهاد الإسلامي بذلك المفهوم المودودي والقطبي مسألة أساسية في الإسلام الأصولي. وهذه المسألة من بين المسائل المفصلية التي نازع فيها هذا الإسلامُ الإسلامَ الإصلاحي. ومن خلال هذه المسألة ومسائل أخرى سعى الإسلام الأصولي أن يمحو أثر وتأثير الإسلام الإصلاحي، عربيَّه وهنديَّه، في فهم الإسلام عند المسلمين.
ثم يأتي الدكتور أحمد العيسى، فيَعجب ببراءة من الإلحاح على قضية الجهاد في أكثر من بند في وثيقة سياسة التعليم السعودي، رغم أن لها تلك الأهمية القصوى المنوه عنها سلفاً عند الأصوليين الإسلاميين. ومعدّوها -كما كررنا- هم من هذه الفئة، وللحديث بقية.

نقلاً عن "الشرق الأوسط"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة