حكمة العيد

فضيلة الفاروق

نشر في: آخر تحديث:

بالنسبة للمسلمين في العالم أجمع شهر رمضان هو الشهر الذي يحاسب فيه المرء نفسه ويقيِّمها، والموعد السنوي لمراجعة الذات بما أنجزته وما لم تنجزه.
كل سنة تمنح لنا هذه الفرصة الثمينة لنتوقف قليلاً خلال الركض الماراثوني للحياة اليومية وننتبه لأنفسنا، لأجسادنا، وسلوكاتنا، وأعماقنا، وخبايا أنفسنا، والأهم تدريب النفس على بناء علاقة جيدة مع الله بالارتقاء نحو عالم روحاني تتهيأ أجواؤه بشكل عفوي في كل الأوساط، حتى وإن كانت في خضم ثقافات أخرى تختلف عنّا اختلافا كاملاً.
عيد الفطر تحديداً هو اللحظة الصفر لبداية جديدة، والاغتسال من الأحقاد القديمة، إنه فرصة للاعتراف بأخطائنا، والاعتذار والتوبة عنها، هي أن تقف بثقة أمام من أخطأت في حقه وتعتذر، وتمد يدك لطلب المصالحة، ولأنه العيد فلا يمكن للآخر ألا يسامح...
شهر رمضان أيضاً أكبر من هذه القائمة من المواعظ الطيبة، فهو الشهر التاسع من الأشهر القمرية، وبما أن الجنين في بطن أمه يعيش تسعة أشهر قمرية قبل أن يولد في أغلب الحالات، فإن العيد يصادف نهاية هذه الأشهر التسعة، لهذا هو ولادة بعد مخاض من الجوع والعطش والأسئلة العميقة والحفر البعيد في الداخل الغامض والماورئيات التي تنكشف شيئاً فشيئاً لتزيد من ثقتنا أن الكون خاضع لنظام رباني دقيق لا مجال لمناقضته، فنحن إن حدث وابتعدنا عن هذا المعطى نعود إليه بالفطرة حين نقف في مواجهة حقائق كهذه.
يعيش الرّضيع قلقاً مستمراً على مدى ثلاثة أشهر ونيف من مولده، غير مستوعب حالة الانفصال التي انتابته، يجوع سريعاً، لا ينام جيداً، ولا ينفصل فيها عن أمه، وهي تعيش القلق نفسه، ولا تستعيد عافيتها تماماً إلا بعد مرور ثلاثة أشهر وعشرة أيام، وهو ما يتصادف مع عيد الأضحى، والذي أيضاً يرتبط بقصة سيدنا إبراهيم وابنه إسماعيل.
إنه سر عظيم عن تكاثر هذا الكائن البشري ودورته الحياتية، ونحن نعيشها بطقوسنا الدينية دون أن نتأمل فيها وهذا في نظري تقصير آخر لفهم عظمة ديننا من الجهة التي أهملها الفقهاء والمشتغلين بنصوصه.
ولعلّ هذا الأمر خفي علينا في حقب مضت، لأن العقل البشري أيضاً لم يبلغ التطور الذي نعيشه اليوم، والله سبحانه وتعالى جعل لكل زمن فقهاءه، وفقيه اليوم بالتأكيد تلزمه عدة علمية، وحجة قوية تناسب معطيات العصر، وما أوردته في مقالتي اليوم من هذه الحجج، يحتاج لمزيد من البحث الجاد، والنقاش العلمي البعيد عن خطابات العاطفة، والأكاذيب التي لجأ إليها بعض من عرفنا متاجرين بالدين لأهداف شخصية.
نعم إنّه العيد، إنّه نقطة الصفر لبداية صحيحة. فكل عام وأنتم بخير.

نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.