لينينغراد تقاوم النازيين بالموسيقى

ابراهيم العريس
ابراهيم العريس
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
8 دقائق للقراءة

كان اسم الموسيقي الشاب ديمتري شوستاكوفتش قد بات معروفاً حين قدّم العرض الأول لأوبراه «ليدي ماكبث من منسك» في قاعات الكرملين بحضور ستالين. وكان من الواضح أن شوستاكوفتيش كان شديد التفاؤل يومها بتقديم عمله هناك. غير أن تفاؤله لم يدم طويلاً، إذ ما إن بلغ تقديم الأوبرا مرحلة متقدمة نسبياً حتى بدأ الامتعاض يلوح على وجه ستالين: لم يعجبه العمل. صحيح أن الفنانين واصلوا التقديم، ولكن منذ صباح اليوم التالي بدأت أصابع الاتهام توجه إلى شوستاكوفتش: «بورجوازي صغير»، «فرداني النزعة»، «متشائم»؛ وبخاصة «صاحب موسيقى شكلانية». وكان هذا الاتهام هو الأعظم في ذلك الحين لأنه كان يعني أن مقترفه هرطوقي لا يؤمن بنضالات الشعب السوفياتي، ولا بعظمة زعيمه. في وقت لاحق، وبعد نسيان طويل، سيبدل شوستاكوفتش من منحى تلك الأوبرا ويعطيها اسماً جديداً هو «كاترينا اسماعيلوفا». أما في ذلك الحين، فكان عليه أن يتصرف بسرعة: رمى جانباً سيمفونيته الرابعة التي يمكن أن تجر عليه الويلات، إضافة إلى بعض أعماله «المتشائمة» الأخرى، وكتب سيمفونيته الخامسة التي حمَّلها عنواناً يقول كل شيء... معلناً «توبته»: «رد إبداعي من فنان سوفياتي على النقد الصائب». وتمكن من النفاذ بجلده. لكنه لم يستعد مكانته لدى السلطات سوى سنين عدة بعد ذلك. في عام 1941 حين كانت القوات النازية تحاصر مدينة لينينغراد، مسقط شوستاكوفتش، كان الفنان يعيش في المدينة. وهو تحت تأثير الحصار ووطأته كتب ذلك العمل الكبير في كل المقاييس، العمل الذي أسبغ عليه لاحقاً شهرة عالمية... وكذلك رضى ستالين، ما أدى إلى منحه تلك الجائزة السامية التي كانت تحمل اسم الزعيم.


> حملت سيمفونية شوستاكوفتش السابعة تحديداً اسم «سيمفونية لينينغراد» هي التي تعتبر الأطول بين سيمفونيات هذا الفنان التي بلغ عددها 15 سيمفونية. صحيح أن شوستاكوفتش لم يرق في تعبيره الفني هنا إلى المستوى الذي كان بلغه في السيمفونية «الرابعة» التي لم تُلعب أبداً في ذلك الحين، لكن «السابعة» كانت مع ذلك من أكبر أعماله حتى ذلك الحين وربما لن تتجاوزها لاحقاً سوى سيمفونيته «العاشرة»، من ناحية برنامجها الموسيقي على الأقل. ومهما يكن من أمر، فإن «السابعة» تبقى ذات نكهة خاصة، لأن الفنان عبّر فيها عن إحساسه الخاص وعن إحساس مدينته وسط أهوال الحرب والحصار. ومن هنا حيويتها الفائقة وسمات البطولة الصادقة التي تهيمن على كل حركاتها.

> وهذه الحركات أربع تسير حقاً على إيقاع حياة المدينة وبطولة سكانها كما عايشهما الموسيقي بنفسه. وتتوالى الحركات على الشكل الآتي وهو شكل دوَّنه الفنان وعنونه بنفسه، في بعد دلالي وجد في الموسيقى تعبيراً صادقاً عليه: الحركة الأولى؛ اندلاع الحرب، وفيه يلعب التناوب بين الإيقاع وآلات النفخ دوراً كبيراً يذكر مثلاً بقطعة 1812 لتشايكوفسكي، وفي الحركة الثانية التي هي عبارة عن «سكيرزو شاعري» يحاول الفنان أن ينسى الحرب لفترة واضعاً نفسه وسط ذكريات عابقة بالطفولة والحنان عاشها في مدينته هذه وتستكمل هذه الحركة بالحركة الثالثة - وهي أداجيو عاطفي مؤثر- التي يعبر فيها الفنان عن شغف بالطبيعة وحب للحياة، ليس لديه هو طبعاً، بل لدى سكان المدينة الذين يبدون بالنسبة إليه قادرين على الموت في سبيل حب الحياة. أما في الحركة الرابعة والأخيرة، والتي نعود فيها إلى الحرب، فإن الفنان يعيد تصوير الحرب مستعيناً بـ «تيمات» من الحركة الأولى ليختتم معبراً عن الإيمان بالنصر الآتي لا محالة. والحال أن قوة هذه السيمفونية الرئيسة أتت من خلال ذلك التفاوت في اللغة الموسيقية بين المقاطع التي تعبر عن الحرب وقوتها وجبروتها كأداة للقتل والتدمير لا أكثر، والمقاطع الأخرى- الطاغية على الحركتين الثانية والثالثة- والتي تدهش بمقدار ما فيها من غنائية عاطفية، تصل أحياناً إلى حدود رومنطيقية تبديها شديدة القرب من سيمفونية تشايكوفسكي السادسة والأخيرة. والحال أن التقريب بين عمل تشايكوفسكي وعمل شوستاكوفتش لم يبد قوياً قوته في السيمفونية اللينينغرادية، حتى وإن كان قورب دائماً بين عمل شوستاكوفتش وأفضل أعمال أستاذيه بروكوفييف وغلازونوف، اللذين بدا تأثيرهما واضحاً في أعمال شوستاكوفتش الأولى.

> كان ديمتري شوستاكوفيتش واحداً من كبار الموسيقيين الذين عرفهم الاتحاد السوفياتي في القرن العشرين. ومع هذا كان عمل هذا الفنان المبدع مليئاً بالتناقضات، في شكل يسير ربما بالتوازي مع تناقضات الحياة السياسية في روسيا السوفياتية بين عام 1906، الذي ولد فيه، وعام 1975 الذي شهد نهاية حياته.

ولئن كان شوستاكوفيتش قد توفي يوم 5 آب (أغسطس) من ذلك العام، مكللاً بهالات المجد معتبراً، إلى جانب بروكوفييف، أكبر موسيقي معاصر عرفته روسيا، فإنه هو نفسه الذي كان قد تعرض أواسط سنوات الثلاثين لأكبر حملة تشهير فنية قامت بها صحيفتا «لابرافدا» و «الازفستيا» وقيل يومها أن الحملة شنت، مباشرة وكما أشرنا أول الكلام، تحت تأثير عدم إعجاب ستالين بالأوبرا المقتبسة من رواية «ليدي ماكبث من منسك»، ولكن كذلك بالباليه الممجد للحياة والعمل في الكولخوز «الساقية الشفافة». صحيح أن هذين العملين، حين قدما للمرة الأولى نالا نجاحاً شعبياً طيباً وقوبلا بحماسة شديدة، ولكن بعد أيام قليلة بدأ «نقاد» الموسيقى والمسرح في الصحف الرئيسية بمهاجمتهما ومهاجمة ملحنهما بحجة أنه «يريد أن يقدم أعمالاً حديثة»، مهما كلفه الأمر، وهو «يخشى أن يغوص في حياة الشعب وموسيقاه». وكانت مثل هذه الانتقادات تعني الكثير في تلك الأيام، بخاصة أن السلطات السوفياتية استقبلت بدهشة ما تم تناقله من أن النازيين أعجبوا كثيراً بالسيمفونية الأولى لشوستاكوفيتش، حين قدمها برونو والتر في برلين في 1933. وكان شوستاكوفيتش قد كتب سيمفونيته تلك في 1926 وهو في العشرين من عمره، وأراد بها أن تكون تمجيداً للثورة الروسية.

> مهما يكن فإن تلك السيمفونية الأولى أحاطت اسم وعمل شوستاكوفيتش بقدر كبير من الشهرة، وأتت لتعزز أعماله التالية لا سيما السيمفونية الثالثة، ثم خاصة أوبرا «الأنفس الميتة» التي كتبها في 1928 مقتبسة عن قصة غوغول التي تحمل العنوان نفسه. وظل اسم شوستاكوفيتش يلمع ويكرم رسمياً وشعبياً ونقدياً خلال السنوات التالية، حتى كانت حملة الهجوم عليه، تلك الحملة التي أدت إلى سحب أوبرا «ليدي ماكبث» من التداول. بعد ذلك حين تعرضت سيمفونيته التالية (الرابعة) لنفس النقد العنيف، أدرك شوستاكوفيتش ما الذي يتعين عليه عمله، فكتب، على عجل تلك السيمفونية الخامسة «رد فنان سوفياتي على انتقادات صائبة»... وكان العنوان وحده كافياً لدفع السلطات إلى إعادة الاعتبار له، وما لبث أن منح جائزة ستالين في 1940 مكافأة له على «الخماسية للبيانو» وبدأ يعتبر من المدللين من قبل النظام. ولقد رسخ من مكانته بعد ذلك، اشتغاله خلال حصار النازيين للينينغراد على كتابه «السيمفونية السابعة» التي باتت تعتبر من أقوى أعماله وأجملها. لقد كتب شوستاكوفيتش تلك السيمفونية القوية وسط القلق والرعب فأتت عملاً صادقاً لا يزال الروس يفاخرون به حتى اليوم.

> ولكن، لئن اطمأن شوستاكوفيتش إلى مكانته بعد «ليننغراد» واعتقد أنه أصبح من الذين لا يُمسّون، فإن عمليه التاليين جاءا ليثبتا له العكس، حيث عادت المصاعب تواجهه من جديد بسبب «السيمفونية الثامنة ستالينغراد» و «السيمفونية التاسعة» وواضح أن سبب الصعوبات يكمن في أن ستالين شعر بأن السيمفونية التي كرست للمدينة التي تحمل اسمه أتت أضعف من تلك السابقة المكرسة للمدينة التي تحمل اسم سلفه لينين، فانهالت على الموسيقار الانتقادات التي وسمت بـ «الشكلانية» و «الخلو من العفوية» وما إلى ذلك، حتى اضطر أن يكتب مقطوعته «نداء الغابات» تمجيداً للخطة الرسمية الآيلة إلى إعادة تشجير المناطق الجرداء، وهي خطة كان ستالين يعول عليها كثيراً، من أجل استبعاد أقوام كثيرة من مناطق سكناها ونفيها إلى مناطق أخرى. ووصلت «رسالة» شوستاكوفيتش الاعتذارية الجديدة إلى «من يهمه الأمر» وكانت «جائزة ستالين» ثانية.

> ويمكن القول إن شوستاكوفيتش لم يعرف الراحة والدعة في حياته إلا منذ رحيل ستالين عام 1953، ومع هذا فإن العقدين الأخيرين من حياة شوستاكوفيتش لم يشهدا الكثير من أعماله الكبيرة، إذ إن عمله الجيد كله كان قد أضحى وراءه. كل ما في الأمر أنه ذات مرة في عام 1962 سحب أوبرا «ليدي ماكبث» من بين أوراقه وأعاد الاشتغال عليها مطلقاً عليها اسم «كاثرينا إسماعيلوفا»، فقدمت ونالت نجاحاً كبيراً، ظل محيطاً به حتى رحيله في 1975.

* نقلاً عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط