عاجل

البث المباشر

«العرافة» لكارافاجيو: الرسام الواقف بين أرسطو ولينين

كان الكاتب الإيطالي بيلوري، أول من اهتم بالرسام كارافاجيو واضعاً سيرته الذاتية محللاً أعماله الفنية، التي كانت في زمنه، عند نقطة الانعطاف بين القرنين السادس عشر والسابع عشر، شيئاً جديداً تماماً في عالم الفن. وفي فصل من فصول تلك السيرة يروي بيلوري حكاية من الصعب تصوّر أنه هو نفسه كان يستطيع إدراك دلالتها الكاملة. وذلك لأن الحكاية لن تتخذ أبعادها الحقيقية إلا بعد «حصولها»، بقرون طويلة من الزمن كما سنرى. والحكاية، التي يمكن الافتراض أنها أصلاً مختلقة وإنما ساقها بيلوري من أجل تسهيل تفسير بعض عمل كارافاجيو وأسلوبه، تقول إن المؤلف «بعدما ذكّر الرسام كارافاجيو بأهم الأعمال الفنية القديمة التي حققها فنانون من طراز فيدياس وغليكون، قائلاً له إن عليه أن يستخلص من تلك الأعمال دروساً فنية تصلح له، لم يحر كارافاجيو إلا جواباً واحداً: أشار بيده إلى جموع الناس العاديين العابرين الطرقات قائلاً إن الطبيعة نفسها زودته بما يكفيه من معلمين». وبعد ذلك، دائماً وفق رواية بيلوري، نادى كارافاجيو غجرية كانت تعبر الشارع وطلب منها أن تتفضل بالدخول إلى منزله، وهناك راح يرسمها بسرعة فيما كانت هي تتنبأ له بأحداث مستقبله، كما جرت العادة من قبل هذا النوع من النساء «ذوات الأصل المصري»، كما يقول بيلوري ويضيف بهدوء: «وبعد ذلك أضاف كارافاجيو إلى اللوحة صورة شاب يسند يده ذات القفاز إلى مقبض سيفه، فيما يعرض اليد الثانية مفتوحة الكف أمام المرأة التي راحت تتفحص تلك الكف».

> قلنا إن هذه الحكاية قد تكون مختلقة، بل قد تكون مضافة في العصور الحديثة أي ليس أبعد كثيراً في الزمن من منتصف القرن التاسع عشر بالنظر إلى أن مثل التعبير الذي جاء على لسان كارافاجيو هنا، لم يكن من الأمور المعهودة في تلك الأزمان المبكرة التي عاش فيها ذلك الرسام الذي عُرف على أي حال بغرابة أطواره وبنزعته الاستفزازية في الفن وفي العيش أيضاً. ولكن الحكاية حتى وإن كانت مقحمة لاحقاً فإنها تكشف عن جانب أساسي من أسلوب كارافاجيو التجديدي في ذلك الزمن. ناهيك بأن اللوحة نفسها تكشف عن الجانب الآخر: الجانب الأسلوبي.

> ونعود هنا إلى لوحة كارافاجيو هذه نفسها وهي المعروفة بعنوان «العرافة» وتنتمي إلى نوع من الفن مارسه هذا الرسام المتفلت من كل قاعدة والاستثنائي، خلال مراحل متفرقة من حياته، ودائماً على هامش ممارسته فن رسم المشاهد الدينية. والحال أنه من العسير علينا التفرقة، أسلوبياً ومن ناحية التجديد، بين الممارستين. وإن كان لا يصعب علينا أن نتصور أن كارافاجيو نال نتيجة ذلك كله، كل ضروب العنت وسوء الفهم، في زمن كان عليه فيه أن يخرج الفن التشكيلي من الأساليب التنميقية، وأن يبتعد باللوحات الدينية الرائعة التي حققها عن كلية الإغراق في الغيب، ليقترب بها من الواقع أقصى درجات الاقتراب. ومهما يكن من الأمر فإن من الواضح أن تحديدات كارافاجيو في مجال رسم اللوحات الدينية، إنما كانت تستجيبرغبة الكنيسة نفسها في التجديد، في زمن كان فيه البروتستانت في الشمال الأوروبي قد بدأوا يغيرون من الذهنيات ويقاربون بين الديني واليومي الدنيوي في شكل راح يشكل خطراً على الكنيسة الكاثوليكية الجامدة. كان ذلك في زمن الإصلاح - المضاد. ولم يكن لكارافاجيو إلا أن ينهل من تخبّط الكنيسة ليطور في اللوحات الدينية، أولاً عبر إضفاء طابع إنساني خالص على الشخصيات المرسومة، وبعد ذلك عبر الاستخدام الأمثل لمصدر الضوء في اللوحة حيث يشدد على التفاوت بين ما هو مظلم في اللوحة وما هو مضيء، مع التركيز على عدم توضيح مصدر الضوء أصلاً، ثم عبر الحرص على أن تكون وجهة نظر المتفرج غير عادية. ومن هنا الأهمية التي تتخذها وجهة النظر، أي الموضع الذي يوحي بأن المتفرج ينظر انطلاقاً منه (في لوحة «وضع السيد المسيح في القبر» مثلاً، يبدو الناظر إلى اللوحة وكأنه واقف داخل القبر نفسه)... ناهيك باستخدامه الناس العاديين كموديلات يرسم انطلاقاً منها الشخصيات التاريخية وغير التاريخية.

> هذا بالنسبة إلى اللوحات الدينية، أما بالنسبة إلى اللوحات المشهدية - المنتمية إما إلى الأساطير القديمة أو إلى مشاهد الحياة اليومية كما كانت معهودة في زمن الرسام لكن اللجوء إلى رسمها كان أمراً جديداً يعتبر الخائض فيه مجرد مقلّد للرسم الدنيوي الذي كان يمارس حينها في بلاد الشمال الأوروبي ولا سيما في هولندا -، فإن كارافاجيو لم يحاول الابتعاد كثيراً عن الأسلوب نفسه الذي اتبعه في اللوحات الدينية. وهكذا نلاحظ في لوحات مثل «العرافة» أو «الغشاشون» أو «منتزع الأسنان» أو «عازف العود» بنسختيها، كيف حرص كارافاجيو على إعطاء سمات الوجوه المرسومة، ولا سيما وجوه الصبيان الذين يشكلون محور اللوحات، أسمى آيات الجمال والتعبير. صحيح أن البعض رأى في هذا نزعات جنسية مثلية لدى هذا الرسام الذي كان، أصلاً، غريب الأطوار، غير أن ثمة من الدارسين من كان أكثر تحديداً، مشيراً إلى أنه إذا كان كارافاجيو قد حرص في لوحاته على أن يضفي طابعاً إنسانياً خالصاً على الشخصيات التاريخية والدينية، فإنه حرص أيضاً على إضفاء طابع سماوي أمثل على شخصيات لوحات الحياة اليومية. وفي جميع الأحوال من المؤكد أن كارافاجيو سواء كان هذا أو ذاك، يقف فريد نوعه، ويمكن اعتباره حلقة الوصل الأساسية بين عادية مواضيع وشخصيات الفن الهولندي في شكل عام، ولعبة الضوء والظل في هذا الفن، وبين الذروة التعبيرية التي كان وصلها الفن الإيطالي، من ناحية، عبر الروائع الموسيقية التي كان فنانون مثل مونتفردي يبتكرونها مضفين طابعاً إنسانياً صرفاً على فنون تميزت دائماً بأبعادها الميتافيزيقية، وذلك بالتزامن مع كتابات سافونا رولا وتوماسو كامبانيلا، وابتكارات مسرح الكوميديا ديل آرتي.

> والواقع أننا على ضوء هذا فقط يمكننا أن ننظر إلى لوحة «العرافة» من حيث أنها تمثل مشهداً «درامياً» إنسانياً خالصاً، مشهداً إنسانياً قد نمر به من دون أدنى التفات، لكنه إذ يتثبت فوق اللوحة، عبر نظرة فنان يدرك أبعاده كلها، تصبح دلالته مختلفة تماماً.

> إن ما تصفه لنا اللوحة هو تلك الخديعة التي نلمحها، إن دققنا، في نظرة المرأة، في مقابل البراءة المطلقة في نظرة الفتى. صحيح أن الفتى يبدو حذراً بعض الشيء، وعبّر عن ذلك الحذر بالتأكيد عبر وضعه كفه قرب السيف المتجه بعض الشيء نحو موقع المشاهد، غير أن حذر الفتى لن يجديه نفعاً، لأن الخديعة لعبة ذكاء وخفة، لا لعبة صراع - تماماً كما هو الحال في لوحة «الغشاشين» - إن المرأة إذ تقرأ طالع الفتى، تستغل الفرصة لتنتزع خاتمه من أصبعه. إننا هنا أمام لوحة تمثل البراءة في مقابل الخديعة. وهي، أي اللوحة، واحدة من لوحات كثيرة حملت الموضوع نفسه، وكانت من أبرز ما حقق كارافاجـيو في حـيـاته القصيرة.

> لم يعش كارافاجيو، واسمه الأصلي ميكائيل أنجلو ميريزي، سوى تسع وثلاثين سنة. لكنها كانت أعواماً غنية حافلة. فهو إذ ولد العام 1571، اهتم بفن الرسم سريعاً وراح يبرع فيه، من دون أن يكون له أساتذة حقيقيون. وفي المقابل، حين مات كان تأثيره قد أضحى كبيراً، ليس في إيطاليا وحدها بل في إوروبا في شكل عام ولا سيما في الإسباني بيلا سكويث، الذي سيكون خير مكملي دربه، من ناحية المواضيع، وكذلك من ناحية التلوين المتقشف واستخدام لعبة الضوء والظل بمهارة. ومن المعروف أن حياة كارافاجيو كانت شديدة التقلب بل حتى شديدة الغموض. إذ نراه تارة يكلف بلوحات هائلة للكنائس ومن قبل علية القوم، ثم نراه مغضوباً عليه، تُرفض لوحاته من قبل المتزمتين. وهو عاش متنقلاً غاضباً متمرداً، ولا سيما خلال السنوات الأخيرة من حياته، بعد أن قتل شخصاً واضطر إلى الهرب إلى مالطا وصقلية. وحين عاد أخيراً إلى روما، في العام 1610 أصابته حمى قضت عليه. أما الاعتراف به فلقد جاء متأخراً، ولا سيما في القرن العشرين. وكان اعترافاً كبيراً إلى درجة أن الباحث أيليس واترهاوس كتب يقول إن كارافاجيو، في تاريخ الحضارة يقف في مكان ما بين أرسطو ولينين.

* نقلا عن "الحياة"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات