عاجل

البث المباشر

عن الانتحار.. عن الموت القريب والحياة البعيدة

ندفن عزيزاً نودع قبره رويداً، وبخطى متثاقلة نسترق نظرات أخيرة.. هل طيفه هنا يا ترى؟ هل لمحني؟ هل سمع كلماتي تلك الممزوجة بالنحيب؟

تركته بين جدران تلك المقبرة الباردة الملأى بالأسماء.. الفارغة من الحياة، تلك الحياة التي نعرفها على الأقل، ومضيت ململة ذكرياتي الفقيرة عنه التي قضمت منها سنين الغربة الكثير.

عجباً لنا نحن البشر كم نهاب الموت! رغم أنه كبرى الحقائق وأكثر النهايات توقعاً وتسليماً.. هو اللحظة التي عاينها وعاشها الجميع دون استثناء، قد تبدأ بذبول نبتة على شرفتك، وتنتهي بلفظ عزيز لك أنفاسه الأخيرة على راحة يدك أو يأتيك نبأ موته بارداً عبر الأثير.

لكن، يبقى الموت بالنسبة إلى النفس البشرية أعظم المفارقات.. فهو المصير المحتوم مهما تأخر، حتى إن منا من يحفر قبره ويشتري كفناً أو تابوتاً ويحجز مسبقاً لجسده رقعة تكون آخر محطاته على هذه البسيطة، تماماً كمن يستعد ليوم زفافه أو أي حدث محوري آخر في حياته.. وهو الأمر الذي من المفترض أن يجعل من الموت حدثاً اعتيادياً.. لكن لا أحد معتاد عليه!

فكل وفاة جديدة تشكل مفاجأة أو صدمة جديدة، وكأنها زائر غير منتظر.. وكأنها المرة الأولى التي يفنى فيها بشر.

موت الآخرين يحيي فينا الخوف، يجعنا نردد لا إرادياً: أنا أيضاً سأموت! إنه الوعي بالنهايات ما يميز الإنسان عن الحيوان الذي يعيش في جهل بالمصير الذي ينتظره.

وبينما يدغدغ التفكير في الموت أوتار الخوف بداخلنا، ترانا ما زلنا قادرين على العيش متمسكين بالحياة، نعمل ونحيا ونبتسم، متجاهلين التهديد اللحظي بالموت المتوقع.. الموت القريب.. ذاك الذي غيّب أحباءنا وسلب منا جزءاً برحيلهم. هل نحن أبطال أم فاقدون للوعي؟ فلا وجود لمن يقول: بما أنهم ماتوا وبما أني سأموت.. فإذن بدءاً من الآن سأقمع رغباتي، سأغلق باب غرفتي وأغفو انتظاراً للموت القادم!

يقال إن الولادة هي بداية الحكاية مع الموت، وكل لحظة تعيشها تجعلك أكثر قرباً منه.. فأن تكون إنساناً يُفرض عليك أن تهاب الموت وتخترع الطقوس للاحتفاء بمرورك بهذا العالم. لذا ترى المبدعين يغالون في الإبداع لترك أثر لهم يخلد اسمهم بعد حين.

يرى خبراء علم النفس أن رهبة الموت هي التي تدفعنا للإنجاب، كمن يمرر جيناته ليضمن لها البقاء، ليشعر بأنه لن يغيب كلياً.. وبأن شيئاً منه سيبقى ها هنا.

في ثنايا الخوف من المنية رهبة أكبر من "الموت القذر".. ذاك الذي يجعلك تعاني ويذيقك العذاب قبل أن يطلق سراح روحك.

جميعنا ينشد موتاً سريعاً كذاك الذي يزورك في نومك فيختم مساءاتك ويمدد تعاقدك مع الغياب من مؤقت إلى دائم.. في رواية أخرى، ثمة من يفضل نوبة قلبية مفاجئة مع عذاب بطيء خفيف الوطأة، يترك له هنيهات للتفكير.. لوداع أخير.

الأطباء يقولون إن اتبعت نظاماً صحياً ومارست الرياضة وابتعدت عن التدخين والكحول.. ستموت أيضاً ! فالحياة كل طرقها طالت أم قصرت.. تؤدي إلى الموت.

في الواقع، حياة بلا ختام ضجر لا نهاية له.. لأن الرغبة في العيش والإبداع والحب والعطاء تتغذى على الصعاب والعقبات، ومن دون أفق الموت، ستنطفئ هذه الشعلة والطاقة الداخلية إلى الأبد. بعبارة أخرى، نحن بحاجة إلى الموت لكي نحيا.

لكن منا أيضاً من يحتاج إلى الموت لكي يموت.. لكي ينهي فصلا طويلاً يؤرقه. يحدث ذلك فقط عندما يجد مبرراً للموت نجهله.. ويفقد كل مبررات الحياة التي نعرفها.

يقال إن المرء ينتحر عندما تصبح حياته أصعب من موته.. لكن في تلك اللحظة التي يقرر فيها الرحيل الإرادي قدر كبير من الألم والحسرة، وقدر أكبر من الجرأة.. ليس ثناءً على فعل يوصم بـ"الخطيئة" ولا تهليلاً للموت المقرّر.. إنما محاولة لاستراق النظر من خارج الصندوق.

غريزة الحياة أم الغرائز التي تتحكم فينا جميعاً.. تأسرنا بين جدران أجسادنا المتعبة، تحبسنا في الغرف الضيقة وقت العواصف، تبقينا يقظين عند مرور الشارع ونحن نلتفت يمنة ويسرة.. تجبر الجائع على إيجاد ما يسد الرمق بأي طريقة، والظمآن تقوده نحو أقرب شربة ماء.. حتى إنها قد تدفعك لقتل غيرك كي تحيا أنت! فكيف لك أن تتحرر منها بهذا اليسر .. بهذه البساطة؟ كيف لهم أن ينتحروا؟!

يوماً ما دعا موريس ماترلينك، أحد أدباء بلجيكا البارزين، إلى تكريس أنفسنا للنظر إلى الموت كشكل من أشكال الحياة التي لم نفهمها بعد. فقال: دعونا نتعلم أن نراه كما نرى الولادة.. أن نرى القبر ليس أكثر من مهد.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة