عاجل

البث المباشر

فارس بن حزام

كاتب وصحافي سعودي

ملفات السعودية الخارجية (5).. قبول الأسد مع ختام الثورة

عاش السوريون أحلاماً بيضاء وسوداء، بطرد الأسد وبصموده. اليوم هم على مفترق طرق يرقبون المشهد ولا حول لهم فيه ولا قوة. الحالمون بطرد الأسد يندبون حظهم السيئ بخذلان العالم لقضيتهم، ويلومون القريب قبل البعيد، ويحملون دول الخليج أكثر من طاقتها.

إنسانياً، لا توجد دولة قدمت للشعب السوري مقدار ما قدمته السعودية.. دعم مفتوح، وأطنان مساعدات لم تنقطع عن داخل سوريا، وعن مخيمات اللاجئين، علاوة على استضافة مئات الآلاف في المملكة. وحفاظاً على كرامتهم، سهلت إقامتهم وعملهم وتعليمهم بصفة مقيمين وليس لاجئين، لذا الرقم غير مدون في دفاتر الأمم المتحدة.

وسياسياً، دعمت الثوار ورافضي حكم الأسد في المحافل كافة. دفعتهم إلى تشكيل جبهة واحدة بدلاً من التشتت. تعثر كل شيء مع العبث القطري التركي. وعسكرياً، تشكل الجيش الحر بدعم عربي وغربي. وكان بديلاً جاهزاً لتأمين المناطق التي فقدها نظام الأسد، لولا فتحه السجون وإطلاقه مئات المتطرفين، فكانت القاعدة بأشكال وأسماء مختلفة. لاحقاً، ساعد في تفشي هذه الفوضى تجدد العبث القطري والتركي بمساندة قوى التطرف على حساب الجيش الحر. كان تسليح الجيش الحر أصعب مهمة تواجه أي دولة تحترم القوانين، وتحسب ألف حساب للعواقب القانونية مستقبلاً. وبحذر شديد، وخشية تسرب السلاح الثقيل، دعم "أصدقاء سوريا" الجيش الحر بالسلاح الخفيف والمتوسط. لكنه لم يكفِ لحسم صراع يبدأ من السماء بطائرات مقاتلة.

في الأعوام الثلاثة الأخيرة، تحولت سوريا إلى ساحة صراع دولية، بتغلغل إيران ودخول روسيا. وفي العام الأخير تشجعت أميركا، وفي عامنا هذا شاركت إسرائيل لأول مرة. ما المطلوب من السعودية قبل وبعد ذلك؟!
في ظني أنها بوعي أعطت القدر وأكثر لدعم قضية صادقة، وكانت وحيدة في البداية، إذ خذلها الغرب في أول عامين من الثورة، عندما كان همّ سوريا إخراج الأسد، أما اليوم فالهمّ صار إخراج إيران منها.

السعودية ليست بلداً حدودياً، ورغم أن سوريا بلد هام، ومنطقة أساسية في الصراع العربي الفارسي، لكن اليمن يأتي أولوية في سياسة المملكة الخارجية، لذا هبت إلى حسم ساحة أساسية أخرى في الصراع مع إيران.

أما سوريا اليوم، فهي أمام مشهد متغير ينتظرها في الأشهر المقبلة، مع ترقب عقوبات مهولة قد تقع على إيران، ورغبة القطبين الأميركي والروسي إخراجها من سوريا. بقاء النظام هو الأقرب، إما ببشار أو من دونه. وعسكرياً لربما تنتهي المعارك في 2019، وتبقى حوادث الانفجارات والاغتيالات. هنا يأتي الدور السعودي في تسهيل المهمة السياسية لمستقبل سوريا. سوف تبنى سوريا من الداخل بأعمدة سياسية حديثة، وللرياض نفوذها القوي في هذا المجال السلمي.

ولا شيء في الأفق يقول إنها ستعيد التعامل مع رئيس النظام بشار الأسد، بل ببدلاء صالحين للعيش مع نظام جديد يلتقي حوله أكبر عدد من الأطراف المتناحرة. تستطيع الرياض حينها أن تدفع القوى السياسية المعتدلة بقبول شكل جديد يتفق عليه دولياً. وليس في ذلك فرض على إرادة شعب، بل التسليم بحل واقعي انتهت إليه حروب كثيرة. بعضها ببقاء الدولة على جغرافيتها الكاملة مثل الكونغو وسيراليون ورواندا، وأخرى انتهت إلى تفكك جذري مثل يوغسلافيا بدولها السبع اليوم.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات