عاجل

البث المباشر

فارس بن حزام

<p>كاتب وصحافي سعودي</p>

كاتب وصحافي سعودي

ملفات السعودية الخارجية (8).. يمن عبدالناصر ويمن خامنئي

الصراع السعودي اليمني لم ينقطع طويلاً طيلة تسعة عقود هي عمر المملكة العربية السعودية. عبر هذا العمر الطويل لأكثر من جيل شهد حروباً ومعارك وأزمات سياسية متوالية، تتم المعالجة دائماً بالمعاهدات والاتفاقيات وحتى الأعراف، وفي كل مرة يخرج اليمن بنتائج إيجابية. وبداية من معاهدة الطائف 1934، بعد عامين من توحيد المملكة، فقد أعطي المواطن اليمني مزايا المواطن، من حيث الإقامة الدائمة، وحرية التنقل والعمل والتملك، ولم يفقد هذه الميزة الهامة إلا بعد دعم بلاده غزو الكويت 1990. ستون عاماً من الجوار الحسن، لم تتوقف يوماً أي معضلة أمام المملكة لدعم اليمن، ولمناهضة أي تدخل سياسي أو عسكري يمسّ استقراره ومسيرته.

خلال تلك العقود، استقرت السعودية بشخصيتها وكيانها مملكة منذ عام 1932، بينما عاش اليمن حالة سياسية موتورة، نتيجة انقلابات واغتيالات وتدخلات سياسية وعسكرية صريحة، ظهرت على أوجه عدة، وفي مراحل مختلفة على أرض اليمن، وكانت في حقيقتها تضع السعودية هدفاً رئيساً لها. مثال ذلك انقلاب دعمه جمال عبد الناصر عام 1962 على الحكم الملكي، ليحل نظام جمهوري عسكري على نظام شرعي قائم. كان ذلك جزءاً من "المشروع الناصري" لتصدير الثورة إلى السعودية. فما فعله عبد الناصر أمس، سعى لتكراره خامنئي اليوم. رأت الرياض أنها المستهدفة الأولى، ولجأ حاكم ـ إمام ـ اليمن إليها، ليبدأ معركة استعادة حكمه، مستنداً بذلك إلى معاهدة الطائف، حيث تعهد له مؤسس المملكة بالدعم والحماية. أرسل عبد الناصر جيشاً قوامه سبعون ألف جندي إلى اليمن، لكن هزيمته البشعة عام 1967 أمام إسرائيل، وهزائم جيشه في معارك كثيرة في اليمن وعلى حدود السعودية، دفعته إلى الانسحاب ومصالحة السعودية في قمة الخرطوم. حينها خرج اليمن بنتائج إيجابية أيضاً، إذ تأسس مجلس التنسيق المشترك، وانطلقت أكبر حملة مشاريع تنموية في تاريخ البلاد.

لكنّ اليمنيين عاشوا على شعار يستهدف السعودية طوال سنوات الحرب والسلم، وهو أن الرياض طامعة بصنعاء، ويسندون ذلك إلى مخطط سعودي مزعوم لإضعاف اليمن من الداخل. والوقائع تقول عكس هذا التصور القاتم، فالضعف الشديد في مؤسسات اليمن وأنظمته الاقتصادية والتعليمية والتنموية، كان عبئاً ثقيلاً على السعودية، ولم يكن بأي حال من الأحوال مشروعاً استراتيجياً لها. لقد تكلفت بإنفاق عشرات المليارات دعماً للبنى التحتية في اليمن، ومثلها لتأمين الحدود نتيجة الفوضى العسكرية والأمنية. كان ضعف اليمن سبباً لتكون أراضيه ممراً ساخناً لتهريب المخدرات والسلاح والإرهابيين والمتسللين من إفريقيا. هذه وقائع العبء، وقد عاشها البلدان طوال العقود الماضية. لم تكن السعودية يوماً في مأمن من أي حراك يزعزع أمن اليمن، ويفرض عليه واقع الأزمات ورجالاته متعددي الأسماء مختلفي التوجهات. لقد لعبت السعودية بكل ثقلها للنأي باليمن عن كل المزالق الخطرة، حرصاً على أرضه والحفاظ على مكوناته، وخلق جميع التوازنات الممكنة داخله وخارجه.

ونحن اليوم في أتون حرب تسير في عامها الرابع، ولا بد أن تنتهي بإعادة الشرعية يوماً، علينا أن نتأمل الحروب والأزمات السابقة، وأساليب معالجة نتائجها، والعلاقة المنتظرة مع يمن زاد تهتكاً. فالمستقبل مع اليمن سيكون مثمراً إذا بنيت الجسور مع النخب في القطاعات كافة، وعدم الاكتفاء بالفئات التقليدية الممثلة بشيوخ القبائل أو مسؤولي الأحزاب البالية. فهؤلاء انتفعوا شخصياً، ولم ينفعوا بلادهم، ولا حليفتهم السعودية في سعيها الدائم لتكون صمام أمان، لا عامل نزيف.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات