عاجل

البث المباشر

فارس بن حزام

كاتب وصحافي سعودي

ملفات السعودية الخارجية (10).. لماذا القلق من الرياض؟

طوال ثلاثة أعوام والأنظار شاخصة تجاه الرياض بمفاجآتها المتوالية. دخلت الحرب في بداية العهد الجديد، وتعاملت بحزم مع ملفات داخلية وخارجية. هذه السياسة الشجاعة أحدثت قلقاً عربياً ودولياً. ليطرح السؤال: هل نحن أمام دولة توسعية جديدة؟
فالعالم العربي عاش عقوداً مع أنظمة تقودها الأفكار، رسمت سياستها الخارجية والداخلية وفق منهج بعثي وناصري ويساري وقومي، وشيء ليبي غير مفهوم. هذه الأنظمة صبغت بطابع التوسع على حساب الدول الأخرى، وسعت لمد أفكارها بالانقلابات العسكرية. لقد كانت دولاً قوامها الفكر المتجاوز لطموحات شعوبها، والقائم على التنظير، وابتكار المشاريع الواهية، وإهدار السنوات والمال من تلك الشعوب.

الواقع أننا أمام دولة تقدمية وليست توسعية، فالأولى قيمة إضافية لكل دولة تتحالف معها، والثانية تثير الريبة من الهيمنة عليها.

والرياض اليوم تعمل وفق منهج نهضوي جاد وتحديث مستمر، وتوازن بين مصالحها وبين مصالح الشعوب الأخرى، سواء تربطها بدول تلك الشعوب المصير المشترك أو الصداقة. لم تقم يوماً بأي أعمال تثير عليها التساؤلات، كما يثار عليها اليوم بضغينة الحاسد، لأنها دولة وجدت بمشروعها المكانة، وحققت بمصداقيتها التقدير إقليمياً ودولياً. وها نحن نراها اليوم دولة التقدم والتحديث في جميع المجالات، وبسياسة ثابتة وراسخة، دون أي تعديل جوهري في بنيتها المتينة. ومن الأمانة في القول عمّا وصلت إليه المملكة، أن نستشهد بنموذج تلك الدول، التي حافظت على نسيجها ونظامها الإسلامي في أعمال تحديث كل أركانها، بداية من التعليم وحتى الرفاه لشعوبها، وخير دليل على ذلك دولة ماليزيا.

في سياسة المملكة ما يدعو إلى التأمل واتخاذ التجربة. غني عن القول إن السياسة ذات طباع مختلفة، لكنها ذات رؤية واضحة عند خدمة المصالح المشروعة. اليوم تحمل السعودية عشرات الملفات عربياً ودولياً، إذ تدير بوادر العلاقة مع العراق بعد انقطاع طويل، وترقب مشهد سوريا، وترسم أسلوباً جديداً مع لبنان، وتواصل مهمتها المشروعة في اليمن بإعادة الشرعية والإعمار، وتقف سداً منيعاً أمام توسع إيران.

أمام كل هذا، وعملاً بسياستها الثابتة، تواصل المملكة التقدم والتحديث اليوم، ولقد بدأت بعامل القوة الاقتصادية، حيث تستثمر في شركات عملاقة يمتد نشاطها إلى مختلف الدول الكبرى، فتخلق تأثيراً سياسياً، علاوة على العائد المالي المنتظر. هي سلاح قوي نافذ، يحضر حالياً في استراتيجية صندوق الاستثمارات العامة، عبر الانتقال من الاستثمار الخجول إلى الاستثمار الجريء.

تعرف الرياض حجمها في الخارطة، وتصيغ سياستها الخارجية وفق ذلك، وترى في نفوذها الشامل في العالم الإسلامي دوراً وطنياً حتمته ريادتها الإسلامية، منطلقة من حضور جغرافي ونفوذ ديني وقوة اقتصادية ورؤية سياسية. هذه العناصر مجتمعة لا تتوفر سوى في الرياض، لذا من الطبيعي أن توهب لها القيادة، وليس إلى تركيا أو إيران أو قطر.

أخذت الرياض قرارات حاسمة، فأعادت صياغة سياستها الخارجية. وهي تدرك عند كل خطوة تبعات ما تتخذه، وتستحضر البدائل اللازمة. استبدلت القيمة المضافة في العلاقة مع كندا إلى خيارات أخرى، ولم تفعل ذلك مع قطر، لانعدام الحاجة وغياب القيمة المضافة للرياض.

إذن، لسان السعودية وهاجسها: هذا أنا ونظرتي إلى أقاصي ما في الأفق من متسع وأتجاوزه. أنحاز للمستقبل الأكبر والشامل. إن عيني تفوق كل مساحات الواقع، وفي يدي تاريخ ناصع من البذل والبناء. بينما النظرة القاصرة ليست من شيمي، فالآخرون يعنيهم نجاحهم الآني ونظرتهم التي لا تتجاوز أصابع اليد وهم كُثر، فمدوا الخريطة لنعرف أكثر.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات