عاجل

البث المباشر

فهد سليمان الشقيران

<p>كاتب وباحث سعودي</p>

كاتب وباحث سعودي

أيقونة الفن الخليجي... مشروعه ومعاركه

يتذكر الناس هذه الأيام مآثر الراحل عبد الحسين عبد الرضا؛ إذ بثّت قناة «العربية» وثائقياً بعنوان: «هذا حسينوه» من جزأين، وامتاز العمل بسرد تاريخ الفنان بالتداخل مع تاريخ بلده الذي لم يغادره وبقي وفيّاً معه حتى أيام الغزو، وكذلك فعلت «mbc»؛ إذ خصصت ساعاتٍ ثلاثاً لاستذكار مجد الفن الكويتي. ليست القصة رثاء الراحل لشخصه، وإنما للدور الذي لعبه والمعارك التي قاتل فيها. مثلاً وبعد تحرير الكويت قرر الفنان الكويتي الراحل عبد الحسين عبد الرضا عمل مسرحية حول صدام حسين؛ وجمع طاقماً من رموز المسرح الكويتي، وكتب مسرحية «سيف العرب» ومثلها عام 1992، وقبيل أن يصل إلى المسرح أُمطرت سيارته بوابل من الرصاص... نجا من الاغتيال، لكنه بقي مدافعاً عن وطنه حتى آخر رمق، ولسان الحال قول الشاعر الألماني هولدرلين: «نذرتُ قلبي علانيةً للأرض العظيمة المعذبة، وغالباً ما عاهدتها في ظلمة الليل المقدس، على أن أحبها حتى الموت، دون أن أقابل أي لغزٍ من ألغازها بالازدراء مع كل ما تحمله من عبء القدر، هكذا ارتبطت بها بارتباطٍ مميت». وعجيبة هي تصاريف الحياة؛ ينجو الإنسان من موت محتم، ومن ثم يموت ببطء، كما في وصف المتنبي:
نعدّ المشرفية والعوالي
وتقتلنا المنون بلا قتال
تميّز عبد الحسين عبد الرضا فنياً بأنه يحمل «رؤية»، وهذا نادراً ما تجده لدى الفنانين الكوميديين؛ إذ يصبح التهريج غايةً، ولم يكن أبو عدنان كذلك؛ بل هو مثقف صاحب رؤية ونظرة، ولديه تصور للواقع، وله صراعاته مع مجلس النواب، فهو أقرب ما يكون لوصف الليبرالي المحافظ على المستوى السياسي. كان يغلّب جانب الأمن والاستقرار على نظريات النضال الثوري، وهذا ما جعله يختلف في بعض الأعمال مع بعض مُجايِليه الذين حملتهم مراحل التأسيس على الانضواء وراء التيارات القومية أو اليسارية، غير أن الراحل حافظ على مسافة بينه وبين الدخول ضمن صراعات لن تثمر إيجاباً لموهبته الفنية.
الراحل سبر غور الإرهاب مبكراً، فهو في الخليج مثل عادل إمام بمصر، كانت لهما شجاعة مبهرة في نقاش التطرف الفكري، وتسليط الضوء على الإرهاب، والتكفير، والتخوين. أعماله ومسرحياته، خصوصاً التي يكتبها هو تكون متضمنةً مسائل مهمة ذات بعد رسالي، ورغم إيمانه بأن الفن للفن، بمعنى أن الفن هو الغاية بحد ذاته، فإن تضمينه بعض الرسائل لا يخل بالوظيفة الفنية. قد يكون الفن بحد ذاته غاية من دون رسالة بمجتمعات تجاوزت العقد الكبرى كالمجتمعات الغربية، لكن في منطقة تعج بالفوضى والضلال الفكري فلا بد من الرساليّة التي تنير عقول الأجيال على ظواهر أخلاقية وفكرية واجتماعية خطيرة.
حين غفا عبد الحسين ترك وراءه الإرث الفني الخالد، فالفنانون الأقدر على الخلود في التاريخ، فهم ينقشون في أرواحنا وشوماً مستحيلة الزوال، لن تنسى إلا إذا نسي الإنجليز تشارلي تشابلن. لقد حول الراحل أعماله الفنية إلى إرث للخليج والعرب، وأعماله المحفوظة والشهيرة تحفظ للأجيال خبراتها. وقد كان للألماني هيدغر أبحاث مهمة في خلود العمل الفني حين يقول: «إن حفظ العمل الفني لا يحيل الناس إلى خبراتهم الخاصة، يستحضرهم للاندماج في الحقيقة التي تعمل في العمل الفني، ذلك إن ارتباط المبدع والمشاهد لا يمنع أن يبقى العمل الفني مستقلاً بذاته، لا يحتاج إلى من يثبته، تؤسس الحقيقة ذاتها... الفنان يثبتها، أما المشاهد فيحفظها. الفن إذن هو أصل العمل الفني».
الراحل كان شغوفاً بالتجديد في النكتة، وحارب من أجل تثبيت المسرح بوصفه من يوميات المجتمع الكويتي، في ظلّ وجود مناوئين للمسرح الكويتي باعتباره خارج نطاق «الفن الإسلامي»... حارب مع خالد النفيسي وسعد الفرج وآخرين من أجل هزيمة الكارهين للحركة الفنية. صحيح أن المسرح الكويتي لم يكن بعد الغزو كما كان قبله، غير أن مجرد الانتصار على النظرة الأصولية للمسرح كان بحد ذاته إنجازاً مهماً، لأن الفن لديه دروبه وأسلحته لمواجهة الكراهية والظلام، وقد أجاد الصديق أبو أحمد جاسم الصحيح حين قال:
قولوا لمَنْ سئِموا في الغيب عُزلتَهُمْ
أَفضَى لعُزلَتِكُمْ ضيفٌ يُسلِّيها
شُدّوا لهُ في جنان الخلد مسرحَهُ
واستمتعوا بالحكايا حين يحكيها

نقلا عن "الشرق الأوسط"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات