عاجل

البث المباشر

علي العميم

<p>باحث سعودي</p>

باحث سعودي

حياة اليعقوبي و«سهر الليالي»

للأكاديمية التونسية حياة اليعقوبي، المتخصصة في الفكر الإسلامي، دراسة اسمها «مفهوم الجهاد في مخاض ثنائية الديني والسياسي: قراءة في كتاب (الجهاد في سبيل الله) لأبي الأعلى المودودي وحسن البنا وسيد قطب» منشورة ضمن ملف اسمه «الجهاد، الشهادة، الشهيد» شارك فيه مجموعة من الباحثين والباحثات من أكثر من بلد عربي. وقد أشرف على الملف بسام الجمل، وقدمه ونسقه أنس الطريقي. وهو صادر عن مؤسسة «مؤمنون بلا حدود».
تتعدى أهمية ذلك الكتاب - وأقصد هنا كلام المودودي في الجهاد في هذ الكتاب - ما قالته عنه الدكتورة حياة في سبب اختيارها له، ليكون موضوع دراستها، وهو أن «ما نعيشه اليوم في ظل عودة ما يسمى بتنظيم داعش بعد أحداث (الربيع العربي) وصعود الإسلام الإسلامي يعطي أهمية كبيرة للكتاب... إذ يمثل من حيث كتّابه ومسألته مرجعية مهمة ما زالت الحركات الجهادية في علاقة وطيدة معه» تتعداه إلى بعض الملابسات التي حفت بنشأة الأصولية الإسلامية عند مسلمي الهند ما بين أواخر عشرينات القرن الماضي وثلاثيناته، وإلى عوامل انحراف الفكر الإسلامي عن مساره الإصلاحي التحديثي في نشأته الأولى في الهند وفي العالم العربي، وتتعداه إلى قضية أشرت إليها في صدر مقالي «انقلاب قدم من مسلمي الهند»، وهي قضايا أشمل وأبعد مما ذكرته في سبب اختيارها له.
لقد حمدت للدكتورة حياة إصابتها التوفيق في اختيارها لذلك الكتاب ليكون مداراً لدراسة أولى عنه، لكن بعد قراءتي لدراستها أحبطت بسبب كم الأخطاء المعلوماتية عن الكتاب، وكم الأغلاط في التحليل. فالدراسة عبارة عن «كوكتيل» من خطأ في المعلومة وغلط في التحليل. هذا الأمر غاظني. ولكي أبرّد غيظي سأفتتح مناقشتي لدارستها بأسلوب هازل.
في وصفها العام للكتاب سجلت ملحوظة أولى، وهي أنه لم يحتوِ على مقدمة، ولم ينص على مصدر أو جهة تجميع الرسائل الثلاث. أي رسالة المودودي ورسالة البنا ورسالة قطب في الجهاد؛ المجموعة في كتاب واحد.
وقبل أن تبدأ في عرض رسالة المودودي في الجهاد سجلت ملحوظة ثانية هي أن رسالته لم يوضع لها عنوان، في حين أنه وضع لرسالة البنا ورسالة قطب في الجهاد عنوان.
ولا تجد الدكتورة حياة تفسيراً لهذا الأمر الذي حيرها سوى احتمالين، للقارئ أن يأخذ بأحدهما. الأول، السهو. وقد لا يأخذ القارئ به لأنها في وصفها العام للكتاب ذكرت أنه طبع أكثر من مرة في دور نشر مختلفة. فالسهو يحدث مرة، ولا يحدث كل مرة. فما يحدث كل مرة هو فعل متعمد وليس سهواً. ولن يبقى أمام القارئ إلا أن يأخذ بالاحتمال الآخر وهو - كما قالت - اعتبار رسالة المودودي في الجهاد رسالة تأطيرية لرسالتي البنا وقطب في الجهاد، وذلك تقديراً لقيمة الرجل الفكرية والتاريخية، إذ ينظر إليه على أنه مرجع مهم في أدبيات الإسلام السياسي وحركة «الإخوان المسلمين».
وهذا الاحتمال - كما نرى - يفسر عُري رسالة المودودي من العنوان بكسوها وإلباسها ثوباً تأطيرياً ضافياً، بحيث قدمت في الترتيب، فجعلت فاتحة الرسالتين الأخريين وغرتهما الظاهرة لكبر قدر صاحبها. وكما يعرف بعضنا أن الفاتحة والمقدمة والتصدير والمدخل في تقاليد الكتابة الحديثة، تستغني كلها عن وضع عنوان لها.
وفي لُجّة بحر قراءة الدكتورة حياة اليعقوبي لرسالة البنا في الجهاد، وانهماكها في قراءتها، لم يلهها ذلك عن البحث في إجابة عن سؤال أرقها منشأه الشطر الأخير من ملحوظتها الأولى النابهة، ألا وهو: من الذي جمع رسالة أبي الأعلى المودودي ورسالة حسن البنا ورسالة سيد قطب في الجهاد في كتاب واحد؟
إذ في تلك الساعة - وهي منغمرة بين تردد أمواج قراءتها وتلاطمها - قالت: «رغم أننا لم نعثر على أي معلومة دقيقة تخص من سهر(!) على جمع هذه الرسائل الثلاث في الجهاد، إلا أننا نرجح أن سيد قطب وراء ذلك».
ترجيحها هذا قام واستند - يا لقوة البيّنة وسطوع البرهان – إلى أن سيد قطب «قد تتلمذ عملياً وسياسياً على الرجلين: المودودي والبنا»!
ولم تنس - رغم تلك اللُجّة وذلك الانهماك وذلك الانغمار - أن تعلم قارئ دراستها أنه عند توقفها عند الرسالة الثالثة - أي رسالة سيد قطب - سيكون قارب قراءتها «مدفوعاً بعض الشيء بهذا الترجيح».
يعرف كل الباحثين وكل المؤلفين وكل المثقفين وكل القراء المحترفين والهواة والعاديين وكل الناشرين، حتى لو كانوا شبه أميين أو مجرد متصفحي عناوين، أن جمع مواد متفرقة في كتاب واحد، يمكن أن يكون في النهار، ولا يستلزم أن يكون في الليل. وبذلك يتاح لجامع المواد المتفرقة في كتاب واحد، أن يجنّب نفسه مشقة «سهر الليالي» وعناء «نعاسها» و«وسنها» و«كراها».
لننتقل الآن بعد أن برد غيظي من الهزل إلى الجد.
تتوفر عن صاحب الرسالة الأخيرة - وأعني به سيد قطب - ثلاثة كتب تحوي في أواخر صفحاتها «ببليوغرافيا» بأعماله على مختلف صنوفها وأنواعها، هي:
«سيد قطب الأديب الناقد» لعبد الله الخباص صادر في عام 1983، و«سيد قطب: حياته وأدبه» لعبد الباقي محمد حسين صادر في عام 1986، و«سيد قطب: الخطاب والآيديولوجيا» لمحمد حافظ دياب صادر في طبعته الأولى في القاهرة عام 1987، وصادر في طبعته البيروتية في عام 1988، وطبعة هذا الكتاب البيروتية هي أشيع من طبعته القاهرية. فلو ذهبت الأكاديمية المتخصصة في الفكر الإسلامي - التي اعتقدت أن الكتاب صدر وسيد قطب والمودودي والبنا على قيد الحياة - إلى الكتاب الأول، وتصفحت «ببليوغرافيا سيد قطب» التي ضمها الكتاب لعرفت أن سيد قطب لم يؤلف كتاباً بالاشتراك مع مؤلف آخر أو مع آخرين إلا في مرحلته الأدبية. فهو قد اشترك مع عبد الحميد جودة السحار في تأليف كتاب «القصص الديني - الحلقة الأولى»، واشترك مع أخوته في تأليف كتاب «الأطياف الأربعة». ولو قرأت لحسين أحمد أمين الكاتب المشهور ذي الكتابات الذائعة، الذي له عناية بالإسلاميات، لعرفت منه أن سيد قطب اشترك مع صديقه وصهر أحمد أمين، عبد العزيز عتيق في تأليف بعض الكتب الأدبية المدرسية لصغار الطلاب.
وفي صفحة تلك «الببليوغرافيا» ستجد بغيتها تحت عنوان «مؤلفات مقتطعة من كتبه المنشورة أو من مقالاته في الصحف والمجلات»، في هذه المعلومة: «(الجهاد في سبيل الله)، بالاشتراك مع حسن البنا وأبي الأعلى المودودي، بيروت، و(الاتحاد الإسلامي للمنظمات الطلابية) 1969م وطبع في القاهرة، سلسلة (صوت الحق) رقم 8، من منشورات (الجماعة الإسلامية) بجامعة القاهرة، دار الاعتصام للطباعة والنشر والتوزيع، سنة 1977م».
ولو ذهبت لـ«ببليوغرافيا» الكتاب الأخير لوجدت المعلومة نفسها مع زيادة فيها هي: «وقد قُدم لسيد قطب في هذا الكتيب فصل عنوانه (الجهاد في سبيل الله)، سبق نشره في كتابه (معالم في الطريق) مع بعض الإضافات».
وغير واضح في هذه الزيادة إن كان يقصد أن الذين جمعوا الكتاب أضافوا إلى الفصل المنشور في كتابه «معالم في الطريق» من كتاباته الأخرى، أم أن هذه الإضافات كانت من عندهم!
وواضح منها أن محمد حافظ دياب لا يعرف المصدر الذي أخذت منه رسالة البنا ورسالة المودودي في الجهاد، فلو كان يعرف لحرص على ذكرهما في زيادته.
هذه الزيادة لم تكن موفقة، وتدل على أن محمد حافظ دياب لم يقرأ مقدمة «معالم في الطريق» جيداً. ففي آخر المقدمة أشار سيد قطب إلى أن فصل «الجهاد في سبيل الله»، وثلاثة فصول أخرى من فصول كتابه سماها، هي مستخرجة من كتابه «في ظلال القرآن» مع تعديلات وإضافات مناسبة لموضوع كتاب «المعالم». فالمصدر الأصلي لذلك الفصل هو كتاب «الظلال» وليس كتاب «المعالم». ثم إن ما قاله في زيادته غير صحيح. فالذين جمعوا الرسائل الثلاث نشروا الفصل كما هو في كتاب «المعالم».
فصل «الجهاد في سبيل الله» المنشور في كتاب «المعالم»، والمقتطع من كتاب «الظلال»، وتحديداً من تفسير سورة الأنفال لم يتعرض إلا لتعديل يسير يكاد لا يذكر.
ففي «الظلال» يقول: وقد لخصتها عند تفسير قوله تعالى: «ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة...»، من سورة النساء... ولا نرى بأساً في إثبات بعض التلخيص هنا مرة أخرى.
وفي ذلك الفصل المنشور في كتاب «المعالم»، والمنشور في الكتاب الذي ضم رسالتي المودودي والبنا في الجهاد يقول: ولقد لخصتها في «ظلال القرآن» عند تفسير قوله تعالى... وحذف جملة «مرة أخرى» من تلك الفقرة.
أستدرك على المعلومة التي ذكرها عبد الله الخباص ومحمد حافظ دياب أن الكتاب طبع طبعة ثانية عام 1970 بيانات النشر نفسها التي ذكراها، والموجودة في الطبعة الأولى. وعلى ظهر الغلاف الأخير في الطبعة الثانية ثمة معلومة تفيد بأن الكتاب ترجم إلى اللغة الماليزية تحت عنوان «رسالة الجهاد»، وترجم إلى اللغة التركية تحت عنوان «الجهاد في سبيل الله». ولا نعرف إن كانت ترجمة الكتاب إلى هاتين اللغتين قد تمت في عام الطبعة الثانية أم في عام الطبعة الأولى.
وأضيف إلى هذا الاستدراك معلومة كنت قد ذكرتها في مقال سابق «هل تحتاج الأمجاد لحروب الاسترداد؟»، وهي أن الكتاب في عام 1969 قد طبع طبعة خاصة أدرجت ضمن كتب المكتبة المدرسية في وزارة المعارف السعودية. وللحديث بقية.

*نقلا عن "الشرق الأوسط"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة