عاجل

البث المباشر

«بودلير» لسارتر: البحث الصعب عن الحجرية

يعتبر كتاب جان - بول سارتر عن فلوبير والمعنون «أبله العائلة» (1971 - 1972) واحداً من أشهر كتب النقد الأدبي التي صاغها صاحب «الغثيان» و «الوجود والعدم»، بل لعله الكتاب الأشهر حول صاحب «مدام بوفاري»، ناهيك بأنه واحد من الكتب التي عرفت وبوفرة، كيف تطبّق دراسات التحليل النفسي، المستقاة مباشرة من فرويد في مجال تحليل علاقة الكاتب، أي كاتب، بعمله الإبداعي. غير أن سارتر لم يكن، في سياق عمله الخاص ذاته، مجدداً في هذا المجال حين ألف «أبله العائلة» وهو في عز نشاطه الفكري والإبداعي عند بدايات الثلث الأخير من القرن العشرين، إذ سبق له أن وضع دراسات أدبية كثيرة، طويلة أو متوسطة، تسير على المنوال ذاته في مجال التحليل السيكولوجي للأدب. ودراسات كهذه نجدها في أجزاء عدة من «المواقف» كما في كتاب سارتر الكبير «سان جينيه، كوميدياً وشهيداً» (1952). ثم، كما أن لكل شيء بداية، يمكننا أن نعود أبعد قليلاً في الزمن لنجد جذور هذا الاهتمام في كتاب مبكر لسارتر هو «بودلير» الذي نشره عام 1946، لكنه كان كتب فصولاً عدة تمهيدية منه، قبل ذلك بسنوات. أو لنقل تحديداً منذ «اكتشف» إمكانية تطبيق نظريات التحليل النفسي على الإنتاج الأدبي، وعرف كيف يترجمها، عملياً، بنوع من النظرة السلوكية على الطريقة الأميركية.

من هنا، في سياق عمل سارتر الأدبي، والذي لا يمكن في أي حال فصله عن عمله الفلسفي أو عن عمله العلمي في شكل عام، يمكن النظر إلى كتاب «بودلير» على أنه كتاب رائد، وأكثر من هذا على أنه الممهد الأساسي لظهور ذلك الكتاب المدهش، والفريد، عن فلوبير.

منذ البداية، يبدو واضحاً أن سارتر لم يكن يسعى إلى رسم صورة ما لمسار بودلير الحياتي أو الكتابي. كان ما يهمه، في الدرجة الأولى، أن يسائل عمل بودلير نفسه، أن يسبر أغوار شعر بودلير في ضوء حياة هذا الأخير ليطرح على نفسه السؤال الذي كان يبدو حاسماً بالنسبة إليه في ذلك الحين: هل بودلير، الذي يبدو أنه أخفق في كل شيء، لم يعش سوى الحياة التي يستحقها؟ وهل شعره لم يكن سوى صورة لهذه الحياة المخفقة؟ وهل حدث هذا بفعل المصادفة أم إن بودلير أراد هو نفسه أن تكون حياته وعمله متطابقين بهذه الصورة السلبية؟ والحقيقة أن سارتر لا يكتفي، منذ صفحات كتابه الأولى، بطرح الأسئلة، بل إنه يسعى إلى الوصول إلى أجوبة: نعم، بالنسبة إليه، بودلير، ليس فقط عاش الحياة التي يستحقها، بل إنه أراد هذه الحياة ذاتها: أرادها بمشكلاتها المستعصية وضروب فشلها وإخفاقاتها، «لأنه كان يعرف منذ البداية أنه كان سيكون شيئاً آخر تماماً لو أنه عاش حياة أخرى». من هنا، يصبح من المنطقي، بالنسبة إلى سارتر، القول أن كل شيء في حياة بودلير، من التأزم والفوضى العائليين، إلى الفقر الدائم، ومن المرض حتى المحاكمات... كل شيء جرى تماماً كما أراد له بودلير أن يجرى: هو أراد ذلك كله، لأنه منذ البداية اتخذ موقع الرجل الخانع المستسلم. ومن هنا نراه «يقبل من دون أي احتجاج أو تمرد، النمط الأخلاقي الذي أُدين انطلاقاً منه، وصولاً الى أن يحاكَم بسبب «أزهار الشر» وان يحكم عليه...» ولكن لماذا؟ يجيب سارتر: لأن بودلير كان في حاجة الى من يحاكمه واضعاً فرادته وسط مؤسسة قانونية البعد: كان في حاجة الى مأسسة هذه القراءة. فبودلير «لم يكن في إمكانه أن يؤكد فرادته إلا ضمن بيئة المنظومة الاجتماعية القائمة». «لو حدث الأمر على الهامش لما كان مهماً بالنسبة اليه كثيراً...».

هل نحن، إذاً، أمام صورة ما للعبة جلد الذات؟... «أجل، وإلى حد كبير»، يقول لنا سارتر. وهنا، يبدو من الواضح أن أولئك النقاد والباحثون الذين رأوا، في هذا الإطار بالذات، أن سارتر يشتغل على الموضوع هنا اشتغال الفيلسوف لا اشتغال الناقد الأدبي أو المحلل النفسي، طالما أنه - من ناحية - لا يدنو كما ينبغي من أشعار بودلير ليحللها في أعماقها، راسماً من خلال ذلك التحليل صورة ما لبطله مطلقاً عليها وعليه أحكام قيمة ما؛ ومن ناحية أخرى لا يوصل تحليله المعمق لحياة بودلير وتصرفاته إلى التقاطه في لحظات حياته العادية ليدرس كل ما هو «استثنائي» فيها، كانوا على حق. على عكس هذا كله، يحاول سارتر في هذا النص أن يعيد حياة بودلير الداخلية إلى الحياة. أو بكلمات أخرى أن ما يحاوله سارتر هنا هو أن يضع نفسه داخل التجربة البودليرية ليعايشها جوّانياً، في شكل يتناسب تماماً مع عيش بودلير لها... واصلاً إلى جواب - رآه هو حاسماً - حول سؤال أساسي يتعلق بما إذا كان بودلير، ولا يزال، يعتبر شاعراً ملعوناً؟ للوصول إلى هذا يستخدم سارتر، بصورة جوهرية، كل ما أسرّ به بودلير حول نفسه وحول حياته، وذلك على هامش إنتاجه الإبداعي... سواء أتى ذلك في نصوص جانبية، أو في مراسلات الشاعر مع أهله وخلافه. ولعل في كون هذا النص أصلاً، كتب مقدمة لطبعة من كتاب بودلير «كتابات حميمة»، ما يبرر هذا كله. فإذا أضفنا إلى هذا أن سارتر يهدي النص، أصلاً، إلى جان جينيه، الذي سيعود ويكتب عنه نصاً مشابهاً بعد سنوات، تصبح المسألة مفهومة أكثر طالما أننا نعرف أن جينيه كان أيضاً ملعوناً، مثل بودلير، هو الذي بدوره حوكم وسُجن ولُعن على يد السلطات كما رُجم على يد المجتمع؛ إذا أضفنا هذا، تتضح لنا تماماً خلفية هذا الكتاب ومعناه. إنه كتاب يحاول فيه مؤلفه أن يفصل داخل ما هو معروف عن الشاعر، جوّانيته التي قد تظل عصية على الإدراك تحت وطأة الصورة الشعبية الرائجة عنه. وهنا قد يكون مفيداً أن نعود إلى نقطة أساسية بدأنا بها هذا الكلام: فسارتر يرى في «بودلير» انه إذا كان الخيال الشعبي، المتواطئ هنا مع السلطات (الرسمية وبالتالي الاجتماعية)، قد رسم لبودلير صورة ملعونة سرعان ما نجدها تنعكس على حياته كما على شعره، فإن هذا لم يتم - في الحقيقة - إلا بالتواطؤ مع الشاعر نفسه. فبودلير، كما يقول سارتر، هو الذي حدّد، بدايةً، صورة ذاته، ثم بعد ذلك استدعى الآخرين لتحديدها وهم واهمون أنهم أصلاً هم الذين حددوها، إن لم يكونوا هم الذين صنعوها.

إذاً، انطلاقاً من هذا التأكيد، الذي من الواضح أنه يأتي هنا ليقلب المعادلات، يرسم جان - بول سارتر، ليس صورة للشاعر ولا لزمنه ولا حتى لجوّانيته أو لشعره، بل في شكل أكثر وضوحاً: صورة للحرية ذاتها. حرية الشاعر في تحديد صورة ذاته. فإذا كان بودلير قد اختار مصيره - مهما كانت تعاسة هذا المصير وملعزنيته، فإنه إنما اختار معه حريته. فإذعانه أمام أن يدان، وقبوله الاستسلامي بمصيره، ليسا هنا سوى فعل حرية تقف بالشاعر خارج الدروب الممهدة... فرادته تكمن في خروجه، غير المألوف هذا، عن قبول الآخرين به. إنها مجازفة... لكنها، بالطبع، أقرب إلى أن تكون مغامرة حرة خطيرة خاضها الشاعر. فهل نجح فيها؟ أجل حتى ولو كان الثمن باهظاً. وبالنسبة إلى سارتر دائماً ما يكون ثمن الحرية باهظاً. إنه الاختيار الحر الذي يجعل الشاعر يحدد مصيره بنفسه مهما كان بؤس هذا المصير وبئسه. بهذا، يكون سارتر قد وضع بودلير على سكة اهتماماته، هو، الخاصة. ففي ذلك الحين كان أهم ما يهم صاحب «الجدار» و «الأيدي القذرة» أن يغوص في مفهوم الحرية، ليس فقط كالتزام أخلاقي أو وسيلة للعيش ومبرر للوجود، بل كذلك بوصف الحرية مفهوماً فلسفياً. من هنا، حين احتج كثر على سارتر إبان صدور الكتاب متسائلين: بأي حق يتصرف في حياة بودلير ومشاعره على هذا النحو، كانت إجابته بسيطة:... وهل تعتقدون حقاً أنني كتبت هنا عن بودلير؟

حين وضع سارتر هذا الكتاب - الذي يكاد يكون منسياً في زمننا هذا - كان بالكاد تجاوز الأربعين، لكنه كان قد أضحى علامة من علامات الفكر والإبداع و... الحرية، في فرنسا وأوروبا. ومن المؤكد أن اشتغاله على «بودلير» انما نبع من تلك المكانة التي ظل بعد ذلك في محاولة دائمة لتأكيدها، ليس كمصدر فخر ذاتي، بل كفعل إيمان حقيقي بالحرية.

نقلاً عن "الحياة"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات