الحوّامة

عبدالله بن بخيت

عبدالله بن بخيت

نشر في: آخر تحديث:

في كل عام يطرق بابنا حيث أعيش في كندا أعداد من الأطفال في عيد الهالوين. يطلبون هدية العيد (العيدية) بنفس الأسلوب والطريقة التي كنا نمارسها عندما كنا أطفالاً في أحياء الرياض القديمة. في اليوم السابق لعيد الفطر، كنا نخرج بملابس جديدة نطرق الأبواب وننادي (أبي عيدي عادت عليكم بحال زينة). ثم نسأل (نوقف الحمير ولا نسوقه). لا أتذكر كيف كنا نشكر عندما نحصل على العيدية ولكن أتذكر كيف نعبر عن خيبة أملنا، "عشاكم شط الفارة.. الخ". كنا نسمى ذاك اليوم (الحوامة). صار يُدعى هذه الأيام القريقعان، ولا أعرف مصدر هذه الكلمة، يبدو أنها من الخليج.

السعادة التي نحصل عليها من الحوامة ينغصها بعض الأشقياء بما يعرف بـ"القمرق"، السطو على مكتسبات الصغار إما بانتزاع طاقية الزري من رأس الطفل أو سرقة ما في جيوبه. ما أشاهده من تصرفات أطفال كندا وحركاتهم وأغانيهم تذكرني بالأيام القديمة قبل أن تندثر هذه العادة اللطيفة التي كانت تسعد الأطفال وتمنحهم عيداً يخصهم، يلبسون فيه أجمل الملابس وأزهاها، ويحصلون على الهدايا من الجيران القريبين والبعيدين.

يمكن تفسير اندثار هذه العادة لاندثار مفهوم الجار الحقيقي الذي كنا نعيشه أيام طفولتنا. في الماضي كان الحي باسره جيران بسكيكه المختلفة، تعرفهم وتعرف تفاصيل حياتهم، أما اليوم بالكاد تعرف اسم جارك. أرجو ألا يدعي أحد أن سبب اندثار الجار يعود إلى انشغال الناس بالحياة الحديثة. اندثار مفهوم الجار الأصيل الذي أوصى به نبينا الكريم يعود إلى سببين رئيسين، الأول تخطيط الأحياء واختفاء الأراضي المقررة كمرافق في المخططات العقارية فاختفت المدراس من الأحياء. أصبح كل طفل يدرس في مدرسة تختلف عن مدارس أطفال الجيران فانفصل أطفال الحارة عن بعضهم، وانعكس هذا على العلاقة بين الأسر في الحي الواحد.

الأطفال هم أساس العلاقة بين الجيران. يعلبون ويتخاصمون ويشكلون فرق لعب ويذاكرون معاً في المساجد، ويسببون مشكلات فيضطر الآباء أو الأمهات إلى التدخل. بهذه الصلة العميقة والوثيقة تتعارف الأسر وتتداخل، فيصبح أطفال الحارة أطفال الجميع. السبب الثاني الذي أزال مفهوم الجار كما أمرنا به رسول الكريم، هو الهوس على المرأة الذي بثته تعاليم الصحوة في نفوس الناس. أورثت تعاليم الصحوة فقدان الثقة بين الجيران. لم يكتف صاحب البيت أن يطوق بيته بسور ارتفاعه ثلاثة أمتار لكي يحصن به أهله من تربص الجيران، بل صار يقيم عليه "شينكو" بطول ثلاثة أمتار أخرى. تحول البيت السعودي إلى قلعة في بحر مهجور يهدده أشر القراصنة، تبلور مفهوم جديد للجار حتى أصبح أقرب للعدو منه للأخ والصديق والمعين، فانقرضت العادات الجميلة.

*نقلا عن "الرياض".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.