عاجل

البث المباشر

ممدوح المهيني

<p>صحفي سعودي</p>

صحفي سعودي

 ماكرون يوبخ ماكرون

في حديثه أمام 70 من قادة العالم، لم يكتفِ الرئيس الفرنسي ماكرون بتذكر مآسي وضحايا الحرب العالمية الأولى، بل انتقد القومية واعتبرها خيانة للوطنية. كان يوجه خطابه التقريعي لرجل واحد أمامه، ترمب الذي قال قبلها بأيام: "لا تعجبهم كلمة القومية. هل تعرفون من أنا؟ أنا قومي!". ولكن حديث ماكرون أثار لغطاً واسعاً على مستوى المفاهيم والواقع.

ما الفرق بين القومية والوطنية؟ وهل كان يقصد العولمة أو العالمية؟ وما هو مفهوم ماكرون للعولمة الليبرالية؟ ربكة في التسميات والعناوين، ويعود جزء منها لعشق ماكرون للرطانة اللغوية والخطابات المنبرية على الطريقة الأكاديمية.

واضح أن العلاقة بين الرئيسين الفرنسي والأميركي في أسوأ أوقاتها بعد شهور من العسل سبقت إعلان ترمب الخروج من الاتفاق النووي. من الصعب تخيل هذه الكلمات تخرج من فم ماكرون قبل عام حينما كان يطمح للتأثير على الرئيس الأميركي بالمنطق والعناق للبقاء في الاتفاق. ولكنه قرر الانتقام لكرامته وإغضاب ضيفه بالحديث عن الجيش الأوروبي لحماية أوروبا ليس من الصين أو روسيا فقط ولكن من أميركا، الدولة التي أنقذت أوروبا من نفسها مرتين. لم يأخذ أحد حديث ماكرون عن الجيش الأوروبي على محمل الجد حتى ترمب الذي سخر من الفكرة وقال ادفع حصتكم أولاً للناتو واصنعوا بعدها الجيش الذي تريدون.

لكن ماذا يقصد ماكرون بالقومية والوطنية؟

لو أخذنا في التعريفات المباشرة لا يمكن أن نجد صداماً بين القومي والوطني. فالشخصية القومية قائمة على شعور وطني. ونحن نعيش في عصر الدولة القومية أو ما تسمى الدولة الأمة، فمن الصعب الخروج من هذا المفهوم، أي تخيل رئيس دولة لا يضع دولته أولاً وإلا لماذا انتخب؟ ليخدم مصالح الدول الأخرى! ماكرون نفسه يضع مصالح فرنسا قبل الدول الأخرى على مستويات عديدة. يلمع لغتها ويروج لشركاتها ويدافع عن سيادتها. هل يكون حينها خائناً للوطنية! بالطبع لا.

القومية ليست شراً في حدودها الصحيحة. فقد لعبت دوراً قوياً في تحرير وخلاص دول من الاستبداد، كما حدث في دول أوروبا الشرقية التي حطمت الستار الحديدي السوفيتي بالاعتماد على الشعور القومي بالدرجة الأولى والديني بالدرجة الثانية كما حدث في بولندا. من المفهوم لو قالها زعيم مؤمن بالأناركية أو الفوضوية المعارضة للدولة القومية، ولكن من الصعب استيعاب أن يقولها رئيس بلاده غيرت مفهوم العالم بعد الثورة الفرنسية، وكان لها دور مهم في معاهدة ويستالفيا عام 1648 التي زرعت البذرة الأولى للدولة القومية الحديثة. وقد لمح ماكرون لبروز شخصيات على غرار هتلر، ولكن الديكتاتور الألماني نشر الفوضى بالاعتماد على نظريات عنصرية وعرقية. ومع كل التحولات في العالم منذ 70 عاماً من الصعب تخيل موسوليني جديد في 2018.

قد يقول ماكرون بطريقة أخرى المقولة الشهيرة "الوطنية الملجأ الأخير للأوغاد". عبارة تعني أن الوطنية أو القومية هي صناعة مفبركة وبديل للهوية القبلية والدينية. أي بعد تلاشي الهوية الدينية والقبلية التي كانت سبباً للحروب، اخترعت الهوية القومية لتلعب ذات الدور. بعد أن كنا عشائر دينية وقبلية أصبحنا عشائر قومية ومصيرها النزاع الأبدي. هذا حديث مثالي يصلح لقاعات المحاضرات ولكن الواقع مختلف. نعيش في عالم من القوميات والأوطان ومن الصعب تجاوزها بالمفهوم السياسي. من الصعب تخيل بلاد بلا هوية قومية حتى لو كان الأفراد قادرين على التخلي عنها أو استبدالها بقوميات أخرى.

التفسير الآخر الذي ربما قصده ماكرون هو الحديث عن القومية المتطرفة وليست الناعمة. وضعك بلدك أولاً وتدمير الدول الأخرى. وفي هذا هو مصيب، ولكن هذا التوبيخ لا ينطبق على الرئيس الأميركي ترمب وسياساته الخارجية. واضح أن هناك فرقاً بين ترمب تويتر وترمب الواقع. ترمب تويتر غاضب وانعزالي ولا يريد أن يدفع المال ويطالب الدول الأخرى بالدفع، كما قال يوم أمس موجهاً حديثه للدول الأوروبية الثرية. ولكن في الواقع ترمب مختلف. لم يخرج من الناتو كما هدد، ولم ينعزل عن العالم بل عقد صفقة مع كوريا الشمالية، النظام الأكثر عزلة في العالم. شعار أميركا أولاً لم يمنعه من فرض العقوبات الأقسى على النظام الإيراني. وأميركا لم تتحول لدول استعمارية تحتل الدول الأخرى وتسلب ثرواتها. قومية أميركية معتدلة رغم ضجيج المنبهات من حساب الرئيس على تويتر.

التفسير الثالث الخروج عن الوطنية والقومية يقصد بها ماكرون النظام الليبرالي العالمي. شرط للمحافظة على هذا النظام الليبرالي وجود دول قومية تؤمن به وتحميه، كما فعلت بريطانيا العظمى سابقاً وأميركا بعد الحرب العالمية الثانية. ومرة أخرى وبمعزل عن الخطابة السياسية الترمبية، فما يقوم به هذه الأيام بومبيو وبولتون من خنق لطهران هو محافظة على هذا النظام الليبرالي من التصدع وحماية له من بروز قوى أخرى تنشر الإرهاب وتسفك الدماء بلا حساب. على العكس من الرئيس الفرنسي الذي قاتل لحماية النظام الإيراني لعدة أسباب، أحدها حماية لمصالح الشركات الفرنسية، أي من أجل المصالح الفرنسية القومية المالية حتى لو كانت تتسبب بدعم القوة التخريبية للعولمة والعالمية والتعايش الذي يعظ عنه. وبدون أن يعرف، ماكرون كان يوبخ ماكرون. هذه هي القومية المضرة الانعزالية التي كان يتحدث عنها ماكرون ويعني بها ترمب. يرتكب نفس خطأ الرئيس باراك أوباما ويغني على نفس اللحن بكلمات جديدة. الخطاب عالمي والنهج انعزالي، والكلمات بليغة تدعو للسلام والإنسانية بينما الأطفال في الغوطة الشرقية يختنقون بالغازات السامة بلا حول ولا قوة.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات