عاجل

البث المباشر

ممدوح المهيني

<p>صحفي سعودي</p>

صحفي سعودي

روسيَّة تعلم الأميركيين الرأسمالية!

لو كان التأثير يُقاس بتوزيع الكتب، لاعتبرت الكاتبة الروسية، آيان راند، أهم إنسان بعد المسيح داخل الولايات المتحدة الأميركية، فكتبها تأتي بالمرتبة الثانية مبيعاً بعد الإنجيل. ومثل الشخصيات الكبيرة في التاريخ من مصلحين ومفكرين وقادة وصحافيين وشعراء، تشكلت حولها طائفة من الأتباع والمريدين، وخُلِقت حولها أساطيرُ وحكاياتٌ، يختلطُ فيها الحقُّ بالباطل.

شخصية راند دنيوية واقعية لدرجة العناد والوقاحة، كما يقول عنها خصومُها. لا تقتنع إلا بما تراه بعينيها وتختبره بحواسها. وعلى عكس بعض الفلاسفة الألمان المشككين، لا تعترف بشيء لا يثبته العقل. تستبعد العواطف وتحذر من أن تقود قرارات الإنسان وتحدد مصيره. العواطف فوَّارة مخادعة وغير صالحة للحكم على الأشياء. يشكل الواقع المجرد والعقل أداة القياس معنى الموضوعية، أحد أركان فلسفتها.

تأثيرها وسبب شهرتها، وهذا المهم، هو إيمانها المطلق بالحرية والفردية وكراهيتها لفكرة الأخ الأكبر، داعيةً للسوق الحرة بلا أي اعتذار وشعور بالذنب. وفَّرت التنظير الفكري للملايين من الوجلين من فكرة البحث عن المصلحة الذاتية، باعتبارها نوعاً من الأنانية وحب الذات، بحسب ما تقول التعاليم الكاثوليكية التي تمجد عقيدة الجماعة وتنجس العالم الأرضي. قلبت راند الفكرة على رأسها من خلال نصيحتها: هذا عقلُك المفكِّر وهذه حياتك الآن، فاصنعْ مصيرَك.

ظهرت راند في مقابلات متلفزة، ولم يهتز لها عصب في وجهها، وهي تعلن بلهجة إنجليزية مكسرة أنها تبحث عن مصلحتها الذاتية، وعلى كل إنسان أن يفعل المثل. ينسجم رأيُها مع الطبيعة البشرية التي تبحث عن منفعتها الذاتية حتى لو غُلِّفت بحكم التضحية والإيثار. حاول المحاورون أن يردعوها ولكنها تمسكت بموقفها. منطقها صريح ومباشر، كل فرد يبحث عن مصلحته بالطريقة العقلانية. في أجواء منفتحة وحرة سيكون الجميع بأحسن حال. العطف والشفقة، بالنسبة لها، صفات الفرد الضعيف الباحث عن مَنْ يعتني به، ويسيطر عليه ويقرر عنه حتى لا يواجه حقيقته ويعترف بضعفه.

لُقِّبت برسولة السوق الحرة وقديسة الرأسمالية، لأنها البيئة الوحيدة التي يستطيع فيها الإنسان أن يحققَ نفسه بدون تدخل من الحكومة. وهذه تقريباً وجهة نظر اليمين المحافظ الذي أثَّرت بالكثير من قياداته قديماً وحديثاً. عقيدةُ الكثير من الحرية الفردية والقليل من التدخلات الحكومية جعلَتْها عدوةَ اليسار الذي لطَّخها وشيطنَها. وصفوها بأنها متطرفة في ماديتها لدرجة أنها قتلتْ أي نزعة خير بداخلها وقالوا إنها العدوة اللدودة لمعاني التعاضد والخير والإحسان. وبسبب الهجوم المكثف عليها تحولت إلى تهمة ينفضها السياسيون عن ثيابهم. رغم إعجابهم بها لا يريدون أن يظهروا للعامة مثلها، شخصيات متصلبة عديمة الرحمة. وفي عالم اليوم، العواطف جزء مهم من اللعبة السياسية.

المفارقة في قصتها أنها روسية جددتْ ثقةَ الأميركيين بعقيدتهم الدنيوية المفضلة، الرأسمالية. المذهب المالي الذي تقوم عليه فكرة الحلم الأميركي، عندما يثق الفرد بنفسه وقدراته وينزع نفسَه من حضن العائلة الدافئ ويقرر أن يخلق مصيره بيديه العاريتين. تحولت راند مع الوقت إلى واعظة ومبشرة تسرد تجربتها الشخصية حينما كانت مراهقة تحت المظلة الحديدية للشيوعية في الاتحاد السوفيتي. عرفت قيمة حرية الفكر والتجارة في نظام يعتبر كل هذه المصطلحات جرائم تدفع للسجن. باسم العدالة الاجتماعية سلب النظام أموال والدها، وجعل عائلتها تعيش في شقة مشتركة مع عائلة ثانية. يتقاضون ذات الأجر ويحصلون على ذات القدر من الطعام. الكل له نفس المستقبل ويبصم على نفس العقيدة ويمحو فرديته وينغمس مع القطيع. أسلوب حياة بحكم عملية إعدام بطيئة لها. تمكنت من الهرب للولايات المتحدة المجتمع الحر، واستعادت كل ما فقدته ونجحت ككاتبة سيناريو أفلام وروائية وفيلسوفة. جمعت المال والنجومية خلال سنوات وأصبحت رواياتها في كل بيت. تعظ في منافع الرأسمالية والنزعة الفردية، وتنتقد الشيوعية والعقلية الجمعية.

عقيدة راند تسببت بحالة من الانقسام، وأخافت الكثيرين الذين مازالوا يشتمونها وحتى وهي ممددة في قبرها منذ عام 1982 تاريخ وفاتها. نزعت الإنسان من دفء الجماعة المخدر إلى برودة الفردية الموقظة. هشمت فكرة الضحية، الشماعة التي يستخدمها الأفراد والشعوب للتعزية عن الفشل والتراجع، وأحلت مكانها المسؤولية الشخصية على النتائج الإيجابية والسلبية. الهاربون من الواقع بحثوا عن عوالم أخرى أزعجهم صوتهم، وهي تعيدهم إلى العالم المحسوس بعد أن مسحت طبقة العواطف والأمنيات من على سطحه. عقيدة مخيفة لثقافات تفضل ندب الحظ والشفقة على حالها ولكنها الدواء المرّ والضروري لها لكي تنجح وتمشي على قدميها.

حاول خصومها دفنها ولكنها تعود كل مرة للأضواء، لأنها ربما تقول شيئاً من الحقيقة. فمن الممكن الهرب منها بعض الوقت ولكن من الصعب الهرب منها كل الوقت. خصوصاً ونحن نعيش في عصر الأفكار والمخترعات الخلّاقة التي حققها أفراد طبقوا نظريتها حتى لو لم يقرأوها.

مع الوقت والشهرة تضخمت الأنا بداخلها بعد نافست نجوميتها الفنانين واللاعبين. ورغم حربها للعواطف في العمل والمال وربما النظرية إلا أنها تمكنت منها بالعلاقات الشخصية. لا تحتمل أي نقد لفكرها، وقد كتب الصحافي الشهير، ويليام باكلي، عرضا سلبيا لأحد كتبها وقررت بعدها أن لا تراه أبداً وتجنبت الحفلات التي يحضرها. ولكن تظل شخصية جدلية وحياتها قصة بعنوان مثير. الروسية التي علَّمت الأميركيين معنى الرأسمالية!

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات