سر الهجوم على واشنطن والرياض

ممدوح المهيني

نشر في: آخر تحديث:

كتب الصحافي الأميركي المعروف ليون ويزلتير في مجلة The New Republic مقالات تنتقد إدارة الرئيس أوباما على موقفها من الحرب السورية. مشاهد مرعبة لجثث الأطفال والقوة العظمى صامتة. لم تدفع الصحافة حينها أوباما لاتخاذ موقف أكثر حزماً ليس لإسقاط الأسد بل على الأقل تخويفه وإيقاف أعداد القتلى المتزايدة كل يوم.

في الواقع أنها ساندته واتفقت معه على اعتبار أن الدخول في سوريا يعني عدم الخروج منها، أيْ عراق جديد، ولا يريد، الرئيس والصحافة، أن يقتل أي جندي أميركي لهذا السبب. نشرت حينها مجلة The New York Review of Books عنواناً أشبه بطلقة تحذيرية للرئيس أوباما: ابق خارج سوريا! الصحافي ويزلتير الغاضب والمحبط من موقف زملائه وأصدقائه كتب مقالاً ساخطاً: "العالم لا ينتهي عند العراق.. اليسار يشيح بوجهه عن العذاب البشري". بعدها بأشهر قرر أوباما ضرب الأسد بعد أن تمادى ولكن الغريب أن الصحافة هي، من بين أسباب أخرى، ثبطت همته. أحد الكتاب المشاهير علق في صحيفة الواشنطن بوست: استراتيجيتك الرئيسيّة عدم التدخل. عليك الالتزام بها مهما كانت الظروف! تراجع الرئيس أوباما عن موقفه وبقية القصة معروفة.

مع إيران شهدنا موقفاً مشابهاً. عندما اندلعت الثورة الخضراء صمت الرئيس أوباما ولم تمانع الصحافة الموالية. دعمت وجهة نظره القائلة إن أي كلمة تخرج من فمه ستوظف لصالح النظام ضد المتظاهرين. تكتيك خاطئ حيث اعتبرتها طهران إشارة للاستمرار بدون عقوبات وفعلا أجهزت على الثورة وأوغلت بدماء الأبرياء. أعداد كبيرة قتلت وتعرضت للاعتقال والتعذيب بينهم صحافيون غربيون وأميركيون استخدموا لاحقاً للمساومة.

ورغم استمرار انتهاكات نظام طهران داخل وخارج إيران ومشاركته النظام السوري في المجازر المريعة، لم تنشط أي حملات غاضبة عن رموز النظام مثل روحاني أو ظريف. بل حدثت احتفالية إعلامية وحقوقية بعد الاتصال الشهير الذي أجراه أوباما مع روحاني عندما كان في نيويورك بطريقه للمطار. وقع الاتفاق الإيراني بعدها بعامين وكانت هناك احتفالية أكبر واستضافت برامج التوك شو الشهيرة أعضاء مهمين في اللوبي الإيراني، والهدف كان واضحاً: إعادة تأهيل النظام وتنظيفه من دماء آلاف الإيرانيين وغير الإيرانيين. الصحافة الجادة لم تستفز أخلاقياً بل العكس، رحبت بالقرار واعتبرته درساً في الواقعية السياسية. أحد المذيعين المسحورين بأوباما قال: قتل بن لادن وعقد صفقة مع الإيرانيين. هذا ليس رئيس أميركا، هذا سوبرمان!! في تلك الساعات بالضبط كان الإيرانيون وميشيليات حزب الله يجهزون على الأطفال السوريين ويدفنونهم تحت الأنقاض. استمر الحال المأساوي ولكن الصحافة كانت مشغولة بالإنجاز التاريخي وتهاجم كل من ينتقده.

كل هذا الموقف تغير مع مقتل شخص واحد اسمه جمال خاشقجي. الحكومة السعودية أعلنت تفاصيل الجريمة وألقت القبض على المذنبين وأخضعتهم للمحاكمة. جريمة جنائية معزولة لم تُعرف بالتاريخ السعودي يحاكم مرتكبوها. ولكننا شهدنا حملات كبيرة على الرياض لم نعرفها مسبقاً من ذات الجهات التي صمتت سابقا واعتبرت السكوت نوعاً من الحكمة، رغم فظاعة المجازر وأعداد القتلى واستمرارها بوتيرة أكبر وعقد صفقات مع مرتكبيها وعدم إلقاء القبض على أي من المتورطين.

لماذا كل هذا التناقض الصارخ في المواقف؟

شيء من الإجابة على هذا السؤال ذكره وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في مقال يوم أمس بصحيفة الوول ستريت جورنال، حيث كتب: "هل هي من محض الصدفة أن الأشخاص الذين يهاجمون الرئيس ترمب بشأن سياسته تجاه المملكة بخصوص قضية خاشقجي، هم نفس الأشخاص الذين قدموا الدعم لباراك أوباما في سياساته تجاه إيران – ذلك النظام الذي قتل الآلاف حول العالم، منهم المئات من الأميركيين، إضافة إلى ممارسته العنف ضد شعبه؟ فأين كان المنادون بحقوق الإنسان حينما أعطى السيد أوباما الأموال الطائلة للملالي (في إيران) لتصبح أكبر دولة داعمة للإرهاب؟".

هذا الجواب يفسر سبب المعارضة والحملة الأساسية على الرئيس الأميركي وولي العهد السعودي. خلاف إيديولوجي وسياسي يوظف فيه كل شيء، خاشقجي والتواطؤ الروسي وحرب اليمن والاتفاق النووي للهجوم على واشنطن ترمب والرياض. تستخدم قضية خاشقجي لإضعاف الموقف السعودي الأقوى في مواجهة المشاريع الإيرانية والإخوانية في المنطقة ودعمه مشروع الاستقرار والاعتدال، كما ذكر بومبيو في مقاله. وبنفس الطريقة يمكن أن نفهم الهجوم على ترمب من خلال تهمة التواطؤ مع روسيا من أجل إنهاكه داخلياً وفك تحالفاته خارجياً. وعندما وقف ترمب إلى جانب بوتين في هلسنكي في مؤتمر صحافي رجمه المدير السابق للمخابرات الأميركية في عهد أوباما واتهمه بالخيانة! إلقاء التهم دون إثباتات استراتيجية جديدة تهتم بنسج رواية وتغذيتها بالشائعات والحكايا غير المثبتة بغض النظر عن الحقيقة، Fake News بكلمة أخرى.

أساليب هي الأكثر رواجا وفعالية للمنظمات والناشطين ووسائل الإعلام اليسارية المنحازة. وهذا يفسر سر تحول هذه الجهات لمنصات هجوم على الرياض وإدارة ترمب من المناصرين لأوباما والمتعاطفين مع الإيرانيين وجماعات الإسلام السياسي السني والشيعي. ومن هنا نفهم حقيقة الهجوم المتواصل ونرى كل ساعة محاولات مستميتة من هذه الشخصيات الصامتة سابقا للمتاجرة بدماء خاشقجي أو التواطؤ الروسي لأجل تحقيق مكاسب سياسية وانتصارات إيديولوجية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.