ترمب بين التقي والثعبان اللئيم

ممدوح المهيني

نشر في: آخر تحديث:

في مقابلة بمجلة النيويوركر مع جيمس ماتيس، وصف الصحافي وزير الدفاع الأميركي السابق بالمترهب الذي يحمل معه في ساحات الحروب كتاباً من المحاربين الإغريق لأن تكتيكات المعارك لم تتغير. وقال إن في إبهام ماتيس قدراً من التقوى الأخلاقية تكفي كل الفاحشين والفاسدين سياسياً في العاصمة واشنطن.

ماتيس تقي أخلاقياً وليس دينياً ومضرب للمثل في النظام ويحسده كثيرون على عاداته الصارمة في القراءة والحفاظ على عزوبية بلا زوجات ولا عشيقات. سجل نظيف من الحب أبعد عنه النساء اللعوبات اللاتي أسقطن زملاء له مثل الجنرال ديفيد بترايوس الذي أنهى مشواره المجيد بسبب علاقة مع الصحافية وكاتبة سيرته بولا برودويل.

ولكن تقوى ماتيس إن كانت صحيحة أم مبالغاً بها كانت هي السبب الذي دفعه للاستقالة، لأن ما فعله انسحاب ترمب من سوريا أمر لم يستطع تمريره أخلاقياً ولا سياسياً. أخلاقياً رجل لا يدير ظهره للأصدقاء في وقت الحاجة ولا يحتمل مشهد دماء الأكراد التي ستسفكها حتماً القوات التركية. أما سياسياً فهذا معاكس للإيمان السياسي الجمهوري التقليدي بأن على أميركا دوراً أخلاقياً تجاه العالم. لو لم يقرر الرئيس روزفلت التدخل في الحرب العالمية الثانية فمسار التاريخ سيتغير للأبد. ولو قرر الرئيس ترومان الانكفاء بعد النصر، فمن الأرجح أننا نعيش في عالم مختلف لن تكون فيه الولايات المتحدة هي الأقوى في العالم. خيانة هذا المبدأ السياسي والنكوص على الأعقاب والإحساس بالعار الأخلاقي مسألة لم يكن ماتيس قادراً على بلعها لهذا قرر المغادرة.

ولكن السؤال هل تخلى ترمب فعلاً عن هذه العقيدة الجمهورية أم كان فقط مذنباً في الخطيئة السورية؟ ولماذا أقدم على هذه الخطوة؟

من المهم أن نجيب عن هذه الأسئلة حتى لا نقع في التفسيرات المثالية المبالغ بها. من الواضح أن ترمب ليس جمهورياً بالفطرة ولكن بالتدريب والتدريج. ومن الواضح أن أعضاء في إدارته، خصوصاً وزير خارجيته بومبيو، جعله يرتشف المبادئ الجمهورية المحافظة بالملعقة شيئاً فشيئاً حتى أصبحت رؤيته الجمهورية الجديدة أصح وأكثر واقعية من الجمهوريين العتيدين، مثل ديك تشيني وبوش الابن. فالمبادئ الجمهورية المحافظة الأساسية تنص بشكل صريح على أن القوة الأميركية قوة خيرة وأخلاقية ولها دور عالمي ولكنها حذرة ومرتابة من التدخلات وفكرة بناء الأمم وفرض نظام سياسي من الأعلى. عقيدة مقدسة تقول إن فكرة الهندسة الاجتماعية تترك الدول في حال أسوأ. وهذا بالتحديد ما حدث في العراق كمثال فقط.

لكن ترمب المنضم حديثاً لنادي المحافظين صان هذه المبادئ الجمهورية الأصلية وأعاد لها الاحترام، مثل دعم الحلفاء والأصدقاء الذين كان لهم دور أساسي في تثبيت دعائم النظام الدولي الذي نعيش تحت مظلته الحديدية. الجمهوريون الأصلاء لا يتدخلون ولكنهم مؤمنون بالمحافظة على استقرار العالم من خلال التصدي للقوى الشريرة والتخريبية مثلما حدث مع صدام حسين بعد الغزو الكويتي حيث لم يكن مقبولاً السكوت، وهذا ما قام به جمهوري حقيقي مثل بوش الأب. وهذا ما يفعله الآن ترمب مع إيران التي تعد قوى تخريبية ومؤذية، والصمت عليها يعني أن القلاقل لن تتوقف.

ولكن تخلِّي ترمب عن القضية السورية رغم الممانعة من أعضاء إدارته يعني بالفعل خروجاً عن هذه العقيدة الجمهورية الأساسية. ولا توجد أي تفسيرات استراتيجية منطقية ولكنها تعود بشكل أساسي لشخصية الرئيس الأميركي وماذا يدور في عقله وما هي أولوياته.

ترمب ليس محافظاً سياسياً بالجينات، وعندما تتعارض المصالح الشخصية مع أي مبدأ سياسي فالمصلحة تتفوق بكل تأكيد وتظهر حينها الشخصية الواقعية لرجل الأعمال الذي لا يرى العالم إلا من منظور الربح والخسارة وليس الخير والشر كما يؤمن المثاليون.

كل ما يفكر فيه الرئيس هو إعادة انتخابه، وحلمه هذا سيتحطم بمجرد أن تتناثر دماء الجنود الأميركيين على التراب السوري أو تجز أعناقهم بالسكاكين الداعشية. وقد فهم تنظيم داعش هذه الرسالة جيداً، وحدثت التفجيرات الأخيرة في منبج لإقناع ترمب بصحة قراره. عودة الجنود الأميركيين غير مقطعين إلى بلادهم ستعني نصراً انتخابياً لدى شعب لم يخرج بعد من الرضة النفسية للحرب العراقية.

ترمب أخفق جمهورياً في سوريا وربح انتخابياً، وعندما اعترض عليه التقي ماتيس، جاء موقفه الصحيح في الزمان والمكان الخطأ، لذا لم يكن هناك مجال إلا أن يغادر محدثاً ضجيجاً عالمياً. ولكن ماتيس في النهاية وزير يأتي مكانه وزير آخر ولا يفكر ترمب بالتداعيات السياسية الداخلية فيما لو قرر فصله بتغريدة، كما فعل مع وزير خارجيته ريكس تيلرسون الذي عزله وهو متمدد على سريره.

الشخص الآخر الذي عارض ترمب من داخل البيت الجمهوري هو ميتش ماكونيل زعيم الجمهوريين بمجلس الشيوخ، وهو شخص أخطر. بعيد عن التقوى الأخلاقية ومتمرس بدهاليز السياسة الداخلية الدموية، وقد امتدحه ترمب في إحدى المرات بوصفه بـ"الثعبان اللئيم".

وقد أعجب به لأنه وجد لأول مرة شخصاً يبدو أكثر لؤماً وشراسة منه. ففي الاجتماع الأول مع قادة الجمهوريين مع الرئيس الأميركي في البيت الأبيض كان غالبيتهم متوترين من اللقاء الأول وخائفين من الانطباعات السريعة ومتوجسين من لسان ترمب الحاد، إلا أن ماكونيل لم يغير من ملامح وجهه الجليدي. وعندما دار النقاش قال ترمب إنه يستطيع أن يكسب صوت أحد أعضاء الكونغرس الديمقراطيين لأنه صديق مقرب له. اعترض ماكونيل على هذا الموقف الساذج، مؤكداً أن لا أصدقاء في الصراع الحزبي، ويجب الإطاحة به حتى لو كان صديق الرئيس. درس أول سريع وقاسٍ تعلمه ترمب من هذا الثعبان المتمرس.

مؤخراً اعترض ماكونيل على ترمب وقدم تشريعاً، وقال إن الانسحاب من سوريا خطأ، ومن الواضح أنه يعكس رأي الصوت الجمهوري التقليدي غير المرتاح من موقف رئيسهم. من الصعب أن يتجاهل ترمب رأيه لأنه يحتاجه ولا يستطيع إقالته، ولكن من الصعب عليه أيضاً أن يتراجع عن قراره، لكن من يدري قد ينجح الثعبان فيما فشل فيه التقي.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.