الكويت.. وأوهام التطبيع

عبدالله بشارة

نشر في: آخر تحديث:

كان صوت العتاب الذي خرج من نائب وزير الخارجية الدبلوماسي الناجح خالد الجار الله، واضحاً وقوياً، وكافياً لصد التشنيعات التي تصدر عن المشككين حول دبلوماسية الكويت التي لا تجيد الحذلقات ولم تتعوّد على المخادعات لا باللفظ ولا بالتصرّف، ذكرني بغضب المتنبي حين قال «كم تطلبون لنا عيباً فيعجزكم».
كنت أتابع كلماته حول التخشّب النفسي والفكري الذي يشكك في وضوح الكويت في مسيرتها الدبلوماسية.. أكتب عن خبرة ومعايشة فليس في مخازن الكويت الدبلوماسية معرفة بالتلون المسلكي.
حدثت نائب الوزير عن تجربتي الشخصية في مؤتمر مدريد للسلام، الذي انعقد في أكتوبر عام 1991، في مدريد، ذهبت إلى المؤتمر الدولي الذي انعقد بحضور الرئيس جورج بوش والزعيم السوفيتي ميخائيل غورباتشوف، على أمل أن تتحرّك المياه لحل مقبول للقضية الفلسطينية، وكنت هناك ممثلاً لجميع دول مجلس التعاون، وجلست في الصف الأول، كان هناك شامير رئيس وزراء اسرائيل ووفد كبير اعلامي وقانوني من جميع الدول العربية ذات الصلة، وبقينا يومين نستمع لمداخلات واتهامات وتمنيات وخرجنا عائدين لم يتحدث أحد عن تطبيع خليجي جماعي مع أنني ذهبت بتفويض من الدول الأعضاء، ولم تصدر تلميحات فيها مؤشرات نحو التطبيع.
هناك حقائق يجب علينا أن نعيش فيها ونروض أنفسنا لها، وسأضعها بالنقاط التالية:
أولاً – كويت اليوم غير كويت الأمس، الكويت منذ الاستقلال إلى الغزو، عاشت وفق حسابات الرادع الأخلاقي، فبعد الانتهاء من معاهدة الحماية في عام 1961، تعاظم الحضور العربي في الدبلوماسية الكويتية، وظل طوال ثلاثين السنة العامل الأول في مسلك الكويت داخلياً وخارجياً، والتزمت الكويت العفة الدبلوماسية التي لا تطيق استحضار المحتوى الأجنبي وتتحاشى الاحتكاك به مع نفور للكويت من تأثيراته واستوطن هذا المنظور المسلك الكويتي وبقي هذا التباعد حتى يوم الغزو، لم تذعن القيادة الكويتية لأثقال التهديدات، رغم خروجها علناً من جنرالات العراق ومن خطب صدام حسين، وظلت بشيء من الأمل، في ما تبقّى من الوفاء الأخلاقي الذي انكشفت حقائقه في القمة العربية في القاهرة في العاشر من أغسطس 1990.
لم تستنجد الكويت رغم استعدادات الكبار لنجدتها، ومنها صار الغزو القبيح.
ثانياً – تبدّلت الحسابات وتغيّرت خطوط الأمن الكويتي بالانتقال من الغلاف الأخلاقي المؤتمن إلى غلاظة الردع المؤذي الذي يخيف ويفزع ويطوّق الغريزة العدوانية التي أتى منها العدوان.
وإذا كان الفصل السابق تميّز بالموقع الكويتي في الحضن العروبي، فإن واقعة الغزو وتوابعها من تخاذل بعض أعضاء الجامعة العربية، نقل الكويت إلى الصالون السياسي العالمي الذي وضعها عبر قراراته، وديعة محصنة بحدودها الجغرافية وسلامة أراضيها.
ثالثاً – هناك واجبات ترافق العضوية في الصالون السياسي العالمي، ومن أبرزها التناغم مع ضوابط العمل داخل الصالون والتجاوب مع محتوياته والانخراط في التبدلات التي تمسّ الحياة في هذا الصالون.
كنا نجلس مع الوفد الاسرائيلي إلى طاولة مجلس الأمن نتبادل الاتهامات، وكنا نحضر الاجتماعات الجانبية للجان المختلفة، سواء في جنيف أو نيويورك، وفي المنتديات الفكرية، وفي الاجتماعات التي نترأسها ندعو مندوبها للحديث.
رابعاً – دخلت الكويت في بيئة مختلفة مع دور مغاير لما كانت عليه من مسؤوليات، فقد اتسعت شبكة الترابط العالمي ومعها المسؤوليات، فمطلوب من الكويت الاسهام في التنمية الاقتصادية العالمية، لكن الأهم هي المساهمة في الدبلوماسية العالمية لحلول المشاكل التي تعطل الأمن والسلام العالميين.
خامساً – كان مؤتمر وارسو جهداً عالمياً جامعاً لبحث القضايا الشائكة وتناولها، وفق المسؤولية الجماعية، بحثاً عن ممرات قد تحقّق الوصول إلى المرغوب فيه، والكويت عضو في الأسرة العالمية، تنضبط مع استحقاقاتها وتؤدي ما عليها من مسؤوليات، أبرزها التفهم للحساسيات في المساعي السلمية وفي التنمية والعطاء الاقتصادي وفي مسلكيات حقوق الانسان والتصدي للارهاب، وغسل الأموال والامتثال لمتطلبات المقاطعة الصادرة من الشرعية العالمية، هذه استحقاقات ومساهمات لمصلحة الأمن والسلام العالميين.
وهنا أشير إلى الدور المميز لسمو الأمير في التجاوب المثمر مع الملفات الانسانية عالمية وعربية، عراقية كانت أو فلسطينية، أو جاءت من أي اقليم عالمي، الأمر الذي أدى إلى اختياره من الأمم المتحدة قائداً للانسانية.
كل شيء له ثمن في هذه الحياة، والمهم أن يدرك شعب الكويت أن الكويت تعيش في العهد العالمي، وتتناغم مع نبضه.
سادساً – نترك أمور التطبيع، فليس هناك ما يبرره، فحق الشعب الفلسطيني في دولته من متطلبات السلام والاستقرار العالميين، ولسنا أول أو آخر، فالدبلوماسية مرآة للأحداث التي لا تقف عند سقف، ولا يمكن تحديد مسارها المستقبلي.
وأخيراً – لا يجوز تفحص الصور التي تبثها المؤتمرات الدولية لتحديد خريطة الكرسي الذي يجلس عليه ممثل الكويت، هناك ثقة في الكفاءة وثقة في الثوابت، وثقة في سلامة السكة التي دخلناها وثقة في رجال الهمة، هذه التصوّرات ليست من تراث الكويت التي نقرأ عنها في سلوك الراديكاليين والدكتاتوريين.
توحي صورة معالي النائب لرئيس الوزراء الشيخ صباح الخالد الصباح وزير الخارجية، ونائب الوزير السيد خالد الجار الله وهما في قاعة مجلس الأمة والتي نشرتها الجرائد يوم الخميس الماضي بأن وفد الخارجية متّجهاً إلى جلسة تساؤلات عن المحظور، الذي دخل دبلوماسية الكويت.
ما زلنا على ما كنا عليه من حذر ومن ابتعاد عن المحظورات، فلا جديد لدينا.

نقلا عن "القبس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.