عاجل

البث المباشر

إنهم يحصدون الغلال من البستان العراقي

جاؤوا إلى بغداد من يعتقدون أنهم أصحاب الحقل ليجنون غلاله، هكذا يمكن وصف زيارة الرئيس الإيراني حسن روحاني ووفده الواسع إلى بغداد قبل عدة أيام. فهذه الزيارة تحدث في الظرف الذي يمر العراق به من ضعف ووهن لدرجة عدم قدرة مسؤوليه الحاليين على لإطلاق كلمة “لا” حين يجدون أن ما يملى عليهم هو ضد مصالح البلد العليا. لا تتوفر الحدود الدنيا مما يتعارف عليه بين الدول من تبادل للمصالح تُحسب لدى الفنيين بأدق التفاصيل وبجميع المجالات تحت مقولة “ماذا نعطي وماذا نأخذ” في أحادية تفرض على العراق الحالي “ماذا نعطي” فقط. قد يقول قائل وماذا يمكن توقعه من معطيات في الاقتصاد والتجارة وغيرها خارج النفوذ السياسي. العراق بلد يعيش أردأ مراحل تاريخه في الضعف الذي أوجده الاحتلال والنفوذ الخارجيان.

ليس المهم التفصيلات التي حصلت خلال زيارة روحاني لبغداد بما تحمله من تجاوزات دبلوماسية وخروج على الأعراف بين الدول المستقلة، وإنما الأهمية هي في العوامل الجيوسياسية التي تحيط بهذه الزيارة. فولي الفقيه خامنئي وهو قائد سياسي قدّم للعراق الوجهين “المبتسمين” للعالم روحاني الرئيس الإصلاحي ومحمد جواد ظريف، الذي أنجز الاتفاق النووي مع الولايات المتحدة وبعض دول أوروبا، بعد سنين ليست قليلة من هيمنة قائد الحرس الثوري قاسم سليماني على الملف العراقي ودخوله للعراق وخروجه منها متى شاء وبلا بروتوكولات. ألم تطلق عليه الحكومة العراقية صفة “المستشار” خلال المعركة ضد داعش، وهو الذي يرى بنفسه صانع المجد الذي جعل روحاني وظريف منتشيين ومتبخترين في زيارتهما الأخيرة للعراق.

وتمثل دهاء خامنئي في تقليد الجنرال سليماني أعلى وسام إيراني (ذو الفقار) خلال تواجد الرئيس في بغداد حيث ظهر ابتهاج الرئاسات العراقية الثلاث، برهم صالح وعادل عبدالمهدي ومحمد الحلبوسي، بل إن بعضهم كان أكثر تطلعا لما ستكون علاقات البلدين من زميله الإيراني في تصريحات إنشائية مثل “العراق هو مركز توازن وقادر أن يكون نقطة تلاقي وحوار بين دول المنطقة”.

وهناك بعض الأوساط السياسية العراقية الموالية لإيران ترفض إطلاق توصيف الخطين الإيرانيين، أي خط الدولة وخط الثورة، وهم محقون في ذلك لعدم وجود خطين متناقضين في المؤسسة السياسية الحاكمة أحدهما “الدولة” الذي يمنّي بعض العراقيين نفسه بالميل نحوه والتعاطي معه لأنه أخفّ ضررا من الخط الثوري الإيراني المتشدد. هناك خط واحد يقوده نائب وليّ الفقيه، وما يحصل من صراع داخلي هو توزيع للأدوار لتحقيق الأهداف النهائية للمصالح القومية الإيرانية.

الأهمية الظرفية لزيارة روحاني للعراق هي أن طهران لا بد أن تستثمر وصايتها السياسية على العراق في معركتها مع واشنطن، وهي معركة لن تؤدي إلى كثير من التغييرات في اتجاهات المؤسسة الإيرانية الحاكمة القائمة على أن النظام الإيراني يجد في نفسه المؤهل لقيادة العالم الإسلامي بوسائل التخريب والفوضى.

طهران تريد إبلاغ رسالة إلى واشنطن مفادها أن العراق هو الميدان السوقي الشامل ليس على مستوى ما بنته من قوى ومرتكزات سياسية شعبوية، وإنما على مستوى النظام السياسي القائم في بغداد، وهي الآن تستخدم جزءا من هذا النفوذ في وجه واشنطن، ومع ذلك كان بإمكان النظام الإيراني تقديم الحد الأدنى من اللياقة الدبلوماسية التي تحفظ ماء وجه المسؤولين العراقيين تجاه شعب العراق، ذلك أن حصيلة الاتفاقيات الثلاثين التي أبرمت في بغداد تمت بصيغة الإملاءات ذات النفع الأحادي لصالح إيران، سواء في تثبيت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي أعطت لإيران مكاسب عالية في التمدد في شط العرب، أو في قرار رفع رسوم الدخول لزيارات المواطنين الإيرانيين التي يخسر من خلالها العراق 240 مليون دولار سنويا، أو في اتفاقات الطاقة والكهرباء والصحة والتعليم وتدفق العمالة الإيرانية إلى العراق في وقت يعاني فيه البلد من البطالة، أو في مدّ خط سكك الحديد من إيران إلى المدن الجنوبية في مشروع لربط العراق بسوريا إلى الموانئ في شمالي لبنان.

هل بإمكان الحكومة العراقية تقديم نفس التسهيلات للبلدان العربية المجاورة، السعودية والأردن والكويت؟ ألم يكن الأجدر للجانب العراقي فرض التزامات على إيران بمنع تدفق المخدرات التي تقتل الشباب العراقي بعد التزكية التي قدمها رئيس وزراء العراق لإيران بقوله “إن خط المخدرات يمتد من الأرجنتين مروراُ بلبنان إلى العراق”، وكذلك إرغام الجانب الإيراني على فتح الروافد الاثني عشر التي أغلقت ضد العراق.

ولكن رغم هذا المهرجان الاحتفالي بقطف الغلال من البستان العراقي كانت الصدمة السياسية قوية خلال لقاء المرجع الشيعي علي السيستاني الذي رحب بأيّ خطوة لتعزيز علاقات العراق بجيرانه على أساس احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وبيّن أن “أهم التحديات التي يواجهها العراق هي مكافحة الفساد وحصر السلاح بيد الدولة”.

استثمر روحاني لقاءه بالسيستاني لتوجيه رسائل قوية داخل إيران، حيث تم تمرير فيديو على موقع الرئاسة الإيرانية يقول فيه إن روحاني طلب من السيستاني توجيه القيادات العراقية إلى أهمية التواصل مع الرئاسة الإيرانية، وأنه “لا يجب عليهم التحدث مع المؤسسات العسكرية أو بعض الوجوه العسكرية الإيرانية حول القضايا التكتيكية بين البلدين”، في إشارة بارزة إلى قائد فيلق القدس قاسم سليماني. صحيح أن إيران جمعت الغلال بمقدار 20 مليار دولار، لكن سبق للعراق أن واجه الكثير من الاحتلالات وخرج منها مرفوع الرأس فلا يطغى الطغاة بما يكسبون.

*نقلاً عن صحيفة "العرب"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات