العراق.. سنوات الجحيم

باهرة الشيخلي

باهرة الشيخلي

نشر في: آخر تحديث:

في مطلع القرن الحادي والعشرين، احتلت الولايات المتحدة الأميركية العراق بسرعة قياسية، ولكنها سرعان ما غرقت في مستنقع الحرب ضد مجهول، فتساقط جندها في غائلة الموت أو ولوا الأدبار.

ببساطة سقطت أسطورة الإمبراطورية التي صنعتها أفلام هوليوود في بحر متلاطم من المجهول أو المخزون الشعبي، وآن زمن الهزيمة على أيدي فصائل المقاومة العراقية، التي كانت أسرع مقاومة في التاريخ بتشكلها وعنفوانها، إذ كانت الدبابات الثقيلة تطير في الهواء محترقة وأصيب الجنود الأميركان بفوبيا الأشباح، فلم يكونوا يعرفون من أين تأتيهم الضربة، ولعب القناصة دورا كبيرا في إحلال الخوف في قلوب الجند.

كان المهاجمون أشباحا تطلع لهم من تحت الأرض أحيانا، فجعلهم ذلك الخوف يدوسون على سيارات العراقيين بدباباتهم أو يقتلون أي شخص لمجرد حركة بسيطة، وكان الذهاب إلى الفلوجة هو الجحيم بعينه لأولئك الجند الذين نشرت لهم صور ومقاطع فيديو وهم يبكون أو يرتجفون هلعا، فالخوف يفعل الأفاعيل وهكذا جاء قرار الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما بتعجيل انسحاب قواته المندحرة في أواخر عام 2011، ليكون سفر الخروج الأخير من أرض الموت.

في الوقت نفسه كان البنتاغون يجري مباحثات سرية مع حركة طالبان لمغادرة الجيش الأميركي أفغانستان عام 2014 لضمان الفرار المنظم من بطن الجحيم المستعر.

وفي خطاب الهزيمة والانسحاب دعا أوباما بلاده إلى أخذ العبرة من حرب العراق وهي العبرة التي شكلت أساسا لطرح الاستراتيجية العسكرية البديلة، التي هي نفسها الدروس الناشئة عن الحرب المفعمة بالخيبة والانكسار، والتي أثبتت ليس فشل الاستراتيجية المعمول بها فقط، وإنما فشل العقل السياسي الأميركي الذي غابت عنه حكمة الواقع أيضا، مثلما غابت عن بصيرته دلالة دحر إمبراطورية الفوسفور الأبيض هناك في ميدان معركة الحرية بمدينة الفلوجة.

في ليلة ظلماء بدأت القوات الأميركية انسحابها من العراق باتجاه الكويت طالبة السلامة، ولكن كان على أوباما أن يتأمل مقدمات خيبته الكبرى ويعيد قراءة أبجدية المقاومة، كانت الحروف كلها تدوّن وترسم كلمة النصر ما بين شهيد وشهيد، امرأة ورجل، شيخ وحفيد، كانوا صفا صفا وعقلا واحدا. المدينة ذات الإرادة الخالقة سجلت فوزها المؤكد على إمبراطورية المارينز، لكن أوباما لم يختلف عن سلفه جورج بوش، إذ كان مكابرا لم يتطرق في هذه العبرة التي حصرها بالانقسامات الدولية والداخلية التي سببتها الحرب، إلى الحقيقة الصلبة التي فرضها الواقع وهي أن الجيش الأميركي خسر الحرب في العراق وهو في طريقه إلى خسارة الحرب في أفغانستان لأن قادته السياسيين والعسكريين لم يتعلموا من تجارب الحرب أن المقاومة الشعبية طرف ضد أي جيش نظامي، وتثبت أن هذا الجيش مهما بلغ من القوة سينتهي إلى الهزيمة، لأن الحرب لم تعد تقليدية بين جيوش نظامية، بل بين جيش مكشوف وقوة خفية لا يعرف متى تتحرك وأين ستضربه، كما وثق ذلك “معجم العقل السياسي الأميركي المعاصر.. مصطلحات حرب العراق”، للدكتور عبدالستار الراوي.

صحيح أن الأميركان استطاعوا أن يوقفوا الفعل المقاوم المسلح عن استهدافهم، ولكن ذلك الفعل لم يمت والمقاومة السلمية تواصلت، ومع ازدياد الكوارث في العراق وانتشار الفساد ونشر الجوع والتخلف والأمراض، التي ما عرف لها العراق مثيلا قبل غزوه واحتلاله، فإن المقاومة تعلن عن نفسها بين لحظة وأخرى، وبعد كارثة عبّارة الموت في الموصل انطلقت دعوات قوية واضحة إلى ثورة شاملة تطرد النفوذ الأجنبي من أرض العراق وتعيد إلى العراقيين سيادتهم وكرامتهم بعد 16 سنة من مآس وكوارث عاشوها بصبر تعجز شعوب العالم عن التحلي بمثله.

ومن المفارقات أن الذين جاؤوا على دبابات المحتلين وكانوا أدلاء لهم صاروا يكذبون، زاعمين أنهم قاوموا المحتلين وطردوهم من العراق.

إذا أرادت إدارة الرئيس دونالد ترامب أن تعيد إلى الولايات المتحدة بعض سمعتها المفقودة وثقة العالم بها كقائدة للعالم الحر كما كانت تسمي نفسها، فعليها أولا أن تصحح ما ارتكبته إدارة جورج دبليو بوش من خطيئة باحتلال العراق والوقوف إلى جانب العراقيين وتحمّل مسؤوليتها الأخلاقية والمعاونة في طرد النفوذ الإيراني وإصلاح الخراب وتضميد الجراح، وإلا فإن المتوقع أن ثورة العراقيين الشعبية الشاملة ستطال قواتها أيضا.

* نقلا عن "العرب"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.