عاجل

البث المباشر

رجاء عالم

كاتبة سعودية

البقع السوداء

طالعتنا قنوات الأخبار في الفترة الأخيرة بخبر فتح علمي لعلماء الفلك والفيزياء، وذلك في 10 أبريل 2019 حين أعلن الفلكيون أنه وللمرة الأولى في تاريخ البشرية قد تم التوصل لتصوير ما يسمى (الثقوب السوداء)، هذا العدم الذي له القدرة على امتصاص وتغييب كل ما حوله وكل ما يعبره بما في ذلك الضوء، الضوء الذي يتلاشى في السواد الكثيف والصامت.

والمثير أنه وبعد عقود من البحث بوسع "ألبرت آينشتاين" أن يتنفس في قبره الصعداء، ذلك أن آينشتاين هذا العبقري كان أول من وضع فرضية وجود هذه الثقوب السوداء الكامنة بقلب المجرات التي تعد بالمليارات، من دون أجهزة تليسكوب أو أقمار صناعية توصل عقل آينشتاين وبحسابات رياضية لوضع تصوره عن هذا الكون الأسود الرابض بقلب الأكوان من نجوم وكواكب ومجرات، الآن لم تعد حسابات آينشتاين مجرد رؤية بقلب ذلك العالم وإنما ثبت رسوخها في الواقع.

هذا الفتح العلمي نتيجة سنوات من البحوث والرصد للأفلاك من خلال تليسكوبات لم تفتأ البشرية تطورها، تليسكوبات عملاقة لكأنما هي تجسيد للفضول البشري الذي لا يشبع، فضول دفع علماء الفلك للعمل ليل نهار في مراصد تم قيامها في مواقع مختلفة من العالم في مناطق تتسم بأجوائها الصافية حيث لا معوقات جوية تعوق عدسات ومرايا المراصد. والفتح الحالي تم بوساطة مشروع دولي ضخم، تم فيه التنسيق بين ثمانية مراصد هي الأفضل في العالم في المكسيك، تشيلي، إسبانيا، القطب الجنوبي وهاواي وأريزونا، هذا التجمع الذي يُطْلَق عليه مسمى Event Horizon Telescope (EHT)، قامت منذ العام 2017 بالتركيز على رصد ثقبين من ذلك السواد، أولها الثقب الأسود الواقع بقلب مجرتنا درب التبانة، وثانيها الثقب الهائل الواقع بقلب مجرة ​​Messier 87 (M87)، على بعد نحو 54 مليون سنة ضوئية من الأرض. وعبر رصد متزامن ومستمر تم أخيراً الحصول على صورة لذلك الوجود العدمي، مثل عين إعصار من نار بقلب من سواد.

المثير في هذا الكشف ليس فقط قيمته الفلكية - على إعجازه - وإنما هو كشف لدواخل البشر، كشف للسر الذي أودعه الله بقلب آدم ويجري في نسله، أن يتوصل إنسان كآينشتاين للجزم بوجود كون ليس بمتناول البصر ولا الحواس عامة، أين وكيف رأى آينشتاين تلك الثقوب؟ بلا شك إنها مضمرة في العلم البشري الخفي، في الأسماء التي علمها الله لآدم، وما البشر على الأرض بعلومهم وآدابهم وفنونهم إلا سلسلة مثيرة من الكشف لتلك الأسماء أو لشفرة الطلاسم أو الختم المحبوك في الجينات، ويعلم الله كم من الثقوب السوداء كامنة في كل منا، لتظل ساكتة حتى نتفكر ونستدرجها للتجسد.

إنها السياحة في الكون مع التفكر والتأمل، إنه البحث عن آيات الله التي لا حصر ولا نهاية لها.

* نقلاً عن "الرياض"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
رابط مختصر

إعلانات