عاجل

البث المباشر

العرب وفكرة المستبد المستنير

ربيعٌ آخر، وتشكيلة أخرى من الأزمات السياسية في العالم العربي. هذه المرة، سقط حاكمان مستبدان تجاوزا تاريخ "صلاحيتهم" في الجزائر والسودان. وفي كلا البلدين، تتسابق الآن النخب الحاكمة الحزبية – المعزولة لعقود من الضغوط السياسية بخلاف المؤامرات الخفية – في محاولة لإرضاء الحشود الغاضبة من المتظاهرين ولكنهم لا يعرفون الطريق إلى ذلك.

يُمكننا التغني بنظرية التنمية وتعزيز الديمقراطية التي تفيد بأن الإصلاح الاقتصادي والانفتاح السياسي هما ما تحتاجه المنطقة. ولكن هذه التفاهات عديمة الفائدة، وغير حقيقية. إن تراكم الضغط الاقتصادي والاجتماعي لا يرحم، ويُهدد بتدمير النُظم الاجتماعية غير الفاعلة بعد الاستعمار بدءًا من باكستان ووصولًا إلى شمال إفريقيا، ولا أحد في المنطقة أو في الغرب يملك أدنى فكرة عمّا يجب القيام به حيال ذلك.

فالنخب السياسية في المنطقة تفتقر إلى الأهلية التقنية والاتساق السياسي والشرعية العامة والاخلاقيات النزيهة اللازمة لفرض الإصلاحات الضرورية وإنجاحها. كما يفتقر المتظاهرون في الشوارع إلى التنظيم والخبرة السياسية والوضوح الإيديولوجي والمعرفة التقنية التي ستحتاجها طبقة حاكمة جديدة. وعلى مستوى الحقبة المُتأخرة من الاتحاد السوفيتي، فقد اجتمع النمو السكاني، والركود أو تراجع عائدات النفط الخام، والآثار التراكمية للفساد وقرارات الاستثمارات السيئة وولّدت خللا اقتصاديا واجتماعيا. والحكومات تخسر قدرتها على تجنب يوم الحساب وذلك عبر تقديم المزيد من الإعانات أو بطرح عدد قليل من فرص العمل الهامشية لتخفيف حِدّة السخط العام.

ولفهم الخيارات المحدودة وغير السارة التي يواجهها الغرب اليوم في الشرق الأوسط، يجب أن نتخلى عن الوهم مرتفع التكلفة؛ ذلك الوهم الذي يفيد بأننا نعرف كيفية علاج أمراض المنطقة. وسيبلي المزيج الغربي من الإدارة التكنوقراطية والابتكار في الأسواق والسياسة الديمقراطية الوسيطة والليبرالية الاجتماعية بلاءً حسنا من أجل البقاء في الأماكن التي أُنشأ فيها ذلك المزيج الغربي مسبقًا، وفي الوقت الحالي، ليس هنالك ما يمكن القيام به في المناطق المتخلفة.

وسيتوجب على الشرق الأوسط أن يجد مساره الخاص، وعلى الرغم من أن بعض المجتمعات مستعدة بشكل أكبر من غيرها للقيام بذلك، فمن المرجح أن تكون العملية مؤلمة وطويلة الأمد، حيث سيكون هناك شحٌّ في وظائف الشباب في المستقبل القريب، وستفشل الحكومات في توفير الإنجاز السياسي الذي يطالب به المتعلمون من الشعب، وسوف تزداد جاذبية الحياة في الغرب بشكل كبير، لكن لن تقبل أوروبا ولا أي مكان آخر طوعًا باستقبال مثل هذه الأعداد الكبيرة ممن يسعون للهجرة.

لن يصل إلى الغرب إلا القليل، أما الغالبية فسيستمرون بمشاهدة الغرب عبر هواتفهم الذكية، وستبقى فرص الغرب وثراؤه بعيدة عن متناولهم، سوف يصاب الناس بالإحباط من كل شيء، وسيلجؤون إلى التعصب الديني والسياسات الثورية وحتى المخدرات في سعيهم لتغيير حياتهم أو على الأقل تخفيف الألم الذي يشعرون به، ومن وقت لآخر، سوف ينفجر الاستياء الملتهب عبر طبقات مؤسسات الدولة القمعية.

تقدم تجربة أوروبا مع سوريا وليبيا دروسًا قاسية حول الشرق الأوسط الجديد، حيث تهيمن عليه المشكلات التي لا يمكن حلها أو تجاهلها. إن انهيار النظام المدني في الجزائر، على سبيل المثال، من شأنه أن يشكل تهديدًا كبيرًا لفرنسا – حول أمن إمدادات الطاقة وسلامة حدودها وسلامة شوارعها. ومع ذلك، لا تستطيع باريس تحقيق الاستقرار في الجزائر، حيث تكافح فرنسا من أجل استقرارها هي.

وعلى هذا الأساس، يجب أن نفهم التجارب السياسية في بعض الدول العربية، حيث لا يبدو هناك رغبة في تبني قيم ومؤسسات الديمقراطية الغربية المعاصرة.

وبدلاً من ذلك، فإنهم يتبعون استراتيجية مثل تلك التي يتبعها الملوك ذوو السلطات بالاستبداد المستنير – والتي اتبعها حكام مثل لويس الرابع عشر في فرنسا، وبيتر وكاترين العظيمين في روسيا، وفريدريك الكبير في بروسيا، لقد أطاح هؤلاء الحكام بالنخب القديمة وأنشأوا نخبا جديدة وعصرية في مكانهم، وكسروا القوة السياسية للمؤسسات الدينية دون تحدي سيطرة الدين على الجماهير، وكرسوا أنفسهم لتنمية الموارد الاقتصادية لبلدانهم دون احتضان الأسواق الحرة، فهم يتوقون إلى الحداثة لكنهم لم يخاطروا بالحرية.

هل سينجح المستبدون المستنيرون في الشرق الأوسط؟ ربما لا، في بعض الأحيان يفشل التنوير، وكل ما يتبقى هو الاستبداد، وحتى الاستبداد قد يفشل، تاركاً المزيد من الدول تتبع المسارين السوري والليبي نحو الهمجية والفوضى.

يمكن للمراقبين الغربيين في كثير من الأحيان أن يستنكروا القمع الذي يفرضه المستبدون الجدد، ولكن ليس لدينا حلول نقدمها، قد لا يروق لنا ما يفعله هؤلاء الحكام، لكننا لا نعرف حقًا ما يجب عليهم فعله بدلاً من ذلك.

* نقلا عن الوول ستريت جورنال

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات