عاجل

البث المباشر

ممدوح المهيني

صحفي سعودي

انحطاط "البيزوسية"

تخيل أن ترتكب فضيحة جنسية وخيانة زوجية. الحل الأمثل هو الاعتذار وإصلاح الأضرار في العلاقة مع الطرف الآخر، أو على الأقل الصمت والتواري. لكن هناك تصرفاً جديداً عرفناه مؤخراً غير الاعتراف والاعتذار أو حتى الإنكار وهو اتهام آخرين بفضيحة أنت مرتكبها.

هذا السلوك له اسم جديد هو " البيزوسية"، نسبة لجيف بيزوس مؤسس أمازون. الكل يعرف قصته الآن، خان زوجته وتسربت له صورٌ فاضحة مع عشيقته عن طريق شقيقها، وبدل أن يعترف ويعتذر أو يصمت ردّد اتهامات غير صحيحة بحق السعودية وإدارة ترمب، بحجة اختراق هاتفه وقرصنة الصور.

لم يقدم أي أدلة تدعم هذه الاتهامات، وقامت صحيفة "وال ستريت جورنال" بنشر تحقيق موسع كشف أن شقيق العشيقة هو المُسرِّب بحثاً عن المال. وتتوقع أن تعدل الحقائق مسار الأمور، ولكن "البيزوسية" لا تهتم بحقائق لا تنسجم مع روايتها وانحطت أكثر. قام بيزوس بتعيين محقق خاص يدفع له من جيبه ليقوم بتأكيد كلامه الأول في تقرير نشره بموقع "الديلي بيست"، ومرة أخرى، بدون أي أدلة قاطعة.

وكما نرى فإن "البيزوسية" مزيج من الوقاحة والغرور وإنكار الحقائق والانغماس بفكر المؤامرة. خليط من المزاج النزق والهيجان العاطفي مع تفكير مندفع موتور مسلح بلسان مؤذٍ وعدائي، وهي ظاهرة بالطبع لا تقتصر على بيزوس نفسه وإنما سلوك وأدبيات توسعت في الأوساط الإعلامية والسياسية في السنوات الأخيرة.

ويمكن أن نرى بصمات البيزوسية واضحة بقضية تواطؤ ترمب مع الروس. قامت وسائل الإعلام مثل سي أن أن وواشنطن بوست (التي يملكها بيزوس) بنشر حملة واسعة من الاتهامات الخطيرة بالعمالة والتواطؤ مع عدو خارجي وتاريخي مثل موسكو لأكثر من عامين. وبعد أن أجري تحقيقاً مستقلاً وطويلاً ظهرت النتائج معاكسة تماماً للاتهامات، التي اعتمدت على تقرير مفبرك منذ البداية لجاسوس بريطاني، دفع له ليختلق قصص جنس خيالية.

ماذا حدث بعد ذلك؟ البيزوسية بالطبع لم تعتذر وتتراجع خطوة واحدة، بل انتفضت ورفضت نتائج التحقيق الذي طالبت به، وشارك فيه أكثر من 500 شاهد، وكلف أكثر من 30 مليون دولار! أصرت على قراءة التحقيق كاملاً والنتيجة نفسها كانت هي الأولى، براءة من التواطؤ.

البيزوسية غضبت من جديد واتهمت وزير العدل الأميركي، ويليام بار، صاحب الشخصية الرصينة (وبدون أدلة بالطبع) بخيانته مبادئ العدالة وطالبته بالاستقالة. ماذا عن الاتهامات الزائفة منذ عامين؟ قامت بنفس سلوك بيزوس مع السعودية، بدل التراجع والاعتذار أو الصمت، اندفعت للأمام بمزيد من الاتهامات والادعاءات غير المثبتة.

وهذا يذكرنا تماماً بقصة الهجوم على السعودية وقضية خاشقجي التي حولتها "البيزوسية" إلى محاولة لابتزاز الرياض وتدفيعها ثمن حلفها القوي مع ترمب ولتكسير طموحها التنموي ومشروعها ضد التطرف والإسلام السياسي.

كمية كبيرة من الأخبار الزائفة والمصادر المجهولة والأحداث غير الدقيقة بشأن قضية واحدة منظورة أمام القضاء. وبعد أن أخفقت هذه الحملة التي اعتمدت على معلوماتها من جهات معادية للرياض سياسياً وأيديولوجياً، مثل وسائل الإعلام التركية وقطر الخيرية ومحللي السي أن أن (وبالطبع بوست بيزوس). كررت البيزوسية السلوك المعتاد، حيث استمرت في إطلاق النار على قدميها. وقد واجهت الإمارات حملة واسعة ومغرضة من هذه الأكاذيب والتضليلات والتسريبات بهدف هزِّ صورتها لكنها انتهت إلى نتائج صفرية.

الآن نعرف تماماً كيف تتصرف البيزوسية؟ مسار انحطاطي. لا تراجع ولا تصحيح بل توجيه اتهامات لجهات بموبقات، وهم من يرتكبونها. حملة من الأكاذيب تروجها، ولكنها تتهم الآخرين بالتضليل. مثل مؤسسها، اتهم الجميع بخيانته لزوجته إلا نفسه!

ومن المثير أن المنتمين لهذا النادي يتحدثون بنعومة بالغة مع الجهات التي يتفقون معها، رغم أنهم يرتكبون فظاعات رهيبة. نرى ذلك في التعامل مع تركيا التي تنتهج سياسيات قمعية منظمة وتسجن آلافاً وتقتل الأكراد حلفاء واشنطن، (بالإضافة إلى المجازر التاريخية)، وكذلك الجهات الإيرانية الاستئصالية وكذلك القطرية ممولة المنظمات المتطرفة حتى داخل أوروبا والغرب عموما كما كشف الكتاب المنشور مؤخراً "أوراق قطر". ولهذا نرى هذا الالتقاء والانسجام الطبيعي بين ظريف الغارقة جيوب سترته بدماء الأطفال السوريين مع هذه النخبة الإعلامية والثقافية البيزوسية، حيث يحل ضيفاً متكرراً عليها، ونرى مقالات متعددة لأردوغان في الصفحات الأولى. وبشكل عام نلاحظ انسجاماً وتحالفاً كاملاً بين دعايات هذه الدول والمنتمين لهذه الظاهرة المتصاعدة. يركبون كلمات جديدة ولكنه اللحن المزعج هو نفسه لا يتغير.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات