عاجل

البث المباشر

سام منسى

كاتب

السلام المفقود أهون من شر السلام الأميركي الموعود

تزامن تكليف بنيامين نتنياهو تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة بعد فوزه بالانتخابات العامة مع إعلان جيريد كوشنير صهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب والمعني الأول بما يسمى "صفقة العصر"، أن موعد الإعلان عن هذه التسوية العتيدة للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني سيكون بعد شهر رمضان المبارك.

رئيس الحكومة المكلف لديه مهلة 28 يوماً من تاريخ التكليف لعرض تشكيلته الحكومية، بما يعني أنه إذا قدر لنتنياهو أن ينجح في مسعاه، وهذا الأمر مرجح، سيكون أول استحقاق تواجهه حكومته الجديدة هو التعامل مع "صفقة العصر" التي طال انتظارها. وإذا كان من المرجح أيضاً أن تكون هذه التسوية وليدة تفاهمات عميقة مع نتنياهو، فهي ستشكل دون أدنى شك كارثة على المنطقة بعامة وعلى الفلسطينيين بخاصة.

ومع أن منافس نتنياهو في الانتخابات بيني غانتس وحلفاؤه، تمنعوا عن تقديم رؤية واضحة ومتكاملة للنزاع مع الفلسطينيين لا سيما لجهة قيام دولة فلسطينية كما من تفسير ما اذا كان على تغيير سياسة نتنياهوازاء التهديد الايراني والحرب في سوريا وحزب الله وحماس، فلو كان قد فاز في الانتخابات لكانت حظوظ هذه الصفقة ضئيلة او ان فرصها تراجعت لأنه يحمل مقاربة مختلفة وان لم يتبسط بإيضاحها للعلاقة مع الفلسطينيين ومسار تسوية النزاع، وهذا ما جعله يفشل في كسب أصوات اليمين.

إن عودة نتنياهو إلى الحكم هذه المرة وسط الظروف السائدة في الداخل الإسرائيلي وفي الإقليم كما على الساحة الدولية، تشكل منعطفاً خطيراً و ضاغطا على أكثر من صعيد.

فعلى الصعيد الداخلي، لم تكن إسرائيل يوما جانحة إلى اليمين المتطرف كما هي اليوم، مع احتضان نتنياهو لحزب «القوة اليهودية» الذي أسسته جماعة كاخ بقيادة الحاخام المتطرف مائير كاهانا، وهي التي أدرجتها كل من الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، وحتى إسرائيل نفسها، على لائحة الإرهاب منذ ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي. فهذا الحزب يقوم على تعصب قومي-ديني ويسعي لإقامة دولة الشريعة اليهودية التي ترفض حتى اليهودي العلماني، وليس فيها مكان للعربي. من جهة أخرى كان لافتاً خلال المعركة الانتخابية أن مسألة النزاع الإسرائيلي الفلسطيني لم تحتل مكانة مركزية فيها بما يؤشر من جهة إلى انتصار المشروع الاستيطاني، ومن جهة أخرى إلى موت عملية تسوية النزاع كما عهدناها والاكتفاء بإدارته بأقل ثمن ممكن لإسرائيل. مع الإشارة الى التراجع المعيب في وزن تمثيل العرب في الكينست والذي تتحمل وزره قياداتهم.

هذا الوضع أثر سلباً على العلاقات بين الفلسطينيين والإسرائيليين وأدى إلى تباعد هائل بينهم لم نشهده منذ اتفاق أوسلو، لكنه لا يضاهي التباعد والانقسام الحاصل على الساحة الفلسطينية. على الرغم من ذلك، من المتوقع أن يرفض الفلسطينيون بشقيهما صفقة العصر، وسيستغل نتنياهو بحنكته المعهودة هذا الرفض وردود الفعل عليه ليعمد إلى ضم أجزاءغير مأهولة من الضفة الغربية بالإضافة طبعا لا سيما الى المستوطنات الرئيسة فيها، في خطوة لم يقدم عليها عتاة المحافظين والمتشددين الإسرائيليين، وقد يلجأ بحنكته المعهودة الى غطاء هو توسيع القانون المدني الإسرائيلي على أراض تخضع للقانون العسكري، ناهيك عن حجته الأزلية الحاضرة ابدا: عدم وجود شريك للتفاوض معه. والابشع من ذلك رفض وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو ادانة هذا التوجه.

على الصعيدين الدولي والإقليمي، خسرت الولايات المتحدة دورها كوسيط في الشرق الأوسط وكقطب دولي تعود إليه مهمة إعادة التوازن المطلوب والمفقود، لا سيما بعد القرارات المتسرعة وغير الحكيمة التي اتخذتها إدارة ترامب، من الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارتها إليها إلى الاعتراف بضم إسرائيل لهضبة الجولان السورية. وبسبب تداعيات سنوات من شبه الانسحاب الأميركي من المنطقة والتقلب في المواقف والضبابية في السياسة إن لم نقل الارتباك، مما أفقد حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة ثقتهم بها، وها هي اليوم تحشرهم في زاوية ضيقة بصفقة العصر التي جاء بها الساقط بمظلة إلى ساحة السياسة الدولية، كوشنير. لا نشك لحظة أن مضمون صفقة العصر هذه سيأتي خالياً من أي محتوى تسووي جدي، ومن المحال أن يقبل المحور الحليف لأميركا في المنطقة بما يرفضه الفلسطينيون. سبق لهذا المحور أن رفض قرارات ترامب التي تحدثنا عنها آنفا، فكيف سيقبلون بتسوية تطال جوهر القضية الفلسطينية بعد أن أفرغت من مبدأ الأرض مقابل السلام وجعلت من عودة اللاجئين سرابا؟

ناهيك عن الضرر الذي يحدثه توقيت إزاحة الستارة عنها على جبهة المعركة الدائرة مع إيران من جهة، ومع الجموح الروسي من جهة أخرى. ففي الوقت الذي بدأت العقوبات على إيران تؤتي ثمارها وبعد إدراج الحرس الثوري الإيراني على لائحة الإرهاب، سيأتي إعلان ترامب عن صفقة العصر ليمد طهران بترياق الحياة ويقدم لها هدية مجانية سوف تستغلها بدهائها المعروف لتستعيد الموقع الذي فقدته لدى الرأي العام في العالمين العربي والإسلامي. وستنسحب المكاسب على قطر وتركيا أيضاً ليفعّلا دعمهما لحماس ويقوضا أكثر سلطة الرئيس محمود عباس في الضفة الغربية.

من جهة أخرى، ستلتقط مخالب الدب الروسي هذه الفرصة كما التقطت فرصة الحرب السورية، لتعزز نفوذها أكثر في المنطقة ولتنسج علاقات دافئة قد تستقطب آخر خلفاء واشنطن في المنطقة.

ما هي الحكمة من الاستعجال بالاعلان عن هذه الصفقة حيث لا رابح جراءها سوى تفعيل شعارات وخطاب محور الممانعة ومقولة "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة". إذا أقدم ترامب على هذه الخطوة فالخسائر مكعبة على اكثر من صعيد: أولها على الاعتدال الفلسطيني كما على حلفائه العرب بعد أن أحرج موقفهم وقوض خطابهم، وسيمنح لإيران على طبق من ذهب منصة جديدة هي بأمس الحاجة إليها اليوم ويسقط المنطقة بين أيدي موسكو وسيعيد إشعال النار في رماد الجماعات المتطرفة ويقدم متنفسا جديدا لنظام الأسد الذي يتعيّش على المزايدات. إلى هذا سيخسر غالبية اليهود الاميركيين الذين يرون في نتنياهو رئيس حكومة منتهية صلاحيته يسقط الكيان العبري في رمال متحركة.

اذا كانت هذه الصفقة هي بمثابة العصا لترويض الفلسطينيين فهل في جعبة واشنطن جزرة ما؟ وإن لم يتم تعديل الطروحات الأميركية الرائجة حيال السلام في الشرق الاوسط ، فالقادم من الأيام على فلسطين ودنيا العرب يبعث على الهم والغم .

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات