عودة الدواعش.. والفصح الحزين

إميل أمين

نشر في: آخر تحديث:

إميل أمين

كان من المفترض أن يضحى صباح الأحد فرصة للسلام والوئام، للفرح والابتهاج والعيد، لكن سر الإثم أراد في ذلك النهار أن يترك بصمته المكروهة، ليحيل الفرح إلى ترح، ويحول الابتسامات في الاحداق إلى عيون في المآقي .

المشهد من سيرلانكا إلى المملكة العربية السعودية، والتي كاد إرهاب الدواعش أن يطالها لولا أن الله سلم، يستدعي العديد من التساؤلات وعلامات الاستفهام في الطريق إلى مواجهة ومجابهة طاعون القرن الحادي والعشرين، والتساؤلات كمحركات للفكر الإنساني، تبدأ من عند لماذا فشل العالم حتى الساعة في القضاء على الإرهاب، وصولا إلى كيفية المواجهة الحازمة والجازمة في الآجال القريبة والمتوسطة.

أخفق المجتمع الدولي في وضع تعريفات أو معايير محددة للإرهاب والإرهابيين، ومن هنا تسرب الكثير منهم إلى طرقات ودروب الآمنين، وليس سرا أن قوى دولية كبرة تلاعبت على متناقضات الجماعات الإرهابية، واستخدمت جلهم كخناجر في خاصرة منافسيهم على ساحة الصراع الدولي، الأمر الذي يسر من نشوء وارتقاء تلك الجماعات القاتلة .

ولعل الناظر إلى الولايات المتحدة الأمريكية بعين فاحصة يدرك كيف أنها ومنذ الحادي عشر من سبتمبر 2001 تبدو في حربها ضد الإرهاب، كمن يهش الذباب بالمطرقة، ولهذا يبقى الفشل واضحا وملموسا في عمليات إرهابية متجددة صباح مساء كل يوم .

حين أعلنت السلطات السريلانكية وقبلها وسائل إعلام داعش "وكالة الأعماق للأنباء"، مسؤولية التنظيم عن قتل 310 وجرح أكثر من 500 من مواطني سريلانكا من المسيحيين، لم يكن الأمر يدهشنا، فقد توقعنا في قراءات سابقة أن الدواعش وإن اندحروا لوجستيا في العراق وسوريا، لن يعدموا نقاط ضعف جغرافية وديموغرافية حول العالم .

في هذا الإطار تبقى منطقة آسيا الشرقية أرضا خصبة للمزيد من تنامي الجماعات الأصولية ذات الميول والتوجهات الإرهابية، فالصراعات العرقية والطائفية، وما تركه الاستعمار الأوروبي من ملفات حدود ملتهبة وساخنة، تجعل من تلك الرقعة الجغرافية حاضنة بشرية نموذجية لاستقطاب إرهابيين جدد .

حين تحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤخرا عن اكتمال العملية ضد داعش في الشرق الأوسط، استدعت الذاكرة ما فاه به جورج بوشالابن بأن معركة العراق أنجزت في مايو من 2013، وقد كان التقدير الأخير غير مصيب، والآن تؤكد هجمات الدواعش أن القضية ليست مجرد مطاردات أمنية، أو ملاحقات استخباراتية، حتى وإن أسفرت عن القضاء على فريق بعينه من الإرهابيين، إذ إن الكارثة الحقيقية هي بقاء وديمومة الأفكار التي أنشأت في رحم الأيام إرهابا متجددا، وسوف تستمر في إنشائها غير المحمود إلى آجال طويلة .

وقفة قصيرة مع العقل المدبر لما جرى في سريلانكا " زهران هاشم "، العضو الفاعل والمؤدلج لجماعة "التوحيد الوطنية"، في سريلانكا، تفيدنا بأن الخلل الإرهابي منشأه العقل، قبل أي مبررات أو نوازع أخرى .

لم يكن زهران خافيا عن أعين أجهزة الأمن أو الإعلام في بلاده، فهو إمام مسجد وله العديد من الخطب المنشورة عبر اليوتيوب والفيسبوك، تحرض على قتل غير المسلمين الذين لا يوافقون على الحكم الإسلامي .

كارثة زهران التي فتحت طريق الدواعش إلى عقله وقلبه، إيمانه بفكرة اللاوطن، ولهذا كان يظهر في بعض خطبه أعلام الدول محروقة من ورائه، وليؤكد لمريديه أن الإسلام لا يسمح بالوقوف أمام العلم الوطني، وأن المولى خلق الأرض للمسلمين، وأن الكفار يمكن أن يسمح لهم بالعيش فقط، كما أن المسلمين فقط هم من لهم الحق في الحكم .

تبدأ الأصولية في الأدمغة بفكرة امتلاك الحق المطلق، وتشاغب العقل الأصولي من جهة المغاير عرقا، ثم دينا، ثم طائفة، ثم لا يرى إلا نفسه وفكره، وإلا فما معنى إلقاء سلطات الأمن في السعودية القبض على خلية داعشية تحوز متفجرات وأحزمة ناسفة وقنابل، وكلها معدة لاستهداف مسلمين ومنشآت إسلامية على أرض الحرمين، مهد الإسلام وقبلة المسلمين؟

زهران نموذج لمثلث التعصب والإرهاب والكراهية، ذاك الذي أضحى أفكارا بأجنحة تطير حول العالم، وهناك من أسف من يؤمن بها ويسعى إلى تصديرها شرقا وغربا .

نبع زهران المسموم هو عينه الذي شرب منه إرهابي حادثة "كريست تشيرش" في نيوزيلندا، أنها نفس الأصولية القاتلة التي أوردت خمسين مصليا بريئا في مسجد موردا غير إنساني ولا إيماني بأي معيار من المعايير .

زهران وتارانت وجهان لعملة واحدة، القومية المتطرفة، والأصولية المتعصبة، وكلاهما يحاول نفي الآخر من حيز الوجود والشراكة الإنسانية، نفيا أدبيا أولا، وماديا ثانيا، وكما أن ترانت كان يدعو إلى طرد المسلمين خارج بقاع العالم الغربي حسب تصنيفه العنصري، بالقدر ذاته مضى زهران إلى فكرة النقاء العرقي، بل أكثر من ذلك إذ اعتبر أن العيش في الغرب يعد معصية كبرى، لأنه أرض الكفر، وعنده كذلك أنه حتى لو كان الكافر يفعل أشياء جيدة، فإنه يكرهه لأنه غير مؤمن .

لن تكون حادثة سريلانكا الأخيرة من نوعها ومن أسف، كما أن استهداف المملكة العربية السعودية غالبا ما سيتزايد لاسيما أنها تعيش حالة من الحراك الفكري الإيجابي والخلاق، من أجل بلورة رؤى عقلانية وإيمانية تعود بمواطنيها ومقيميها إلى وسطية الإيمان الإسلامي السديد .

أحسن كثيرا جدا الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي الشيخ الدكتور "محمد العيسي"، حين أشار في خطبته التي ألقاها في الجامع الكبير بعاصمة تتارستان خلال جولته الأخيرة في روسيا الاتحادية، إلى أن: "دعاية جماعات التطرف لا تنشط إلا في بيئة راكدة ثقافيا، كما أن الهوية الوطنية والهوية الدينية والهوية القومية، تتكامل نحو خدمة الهدف المشترك، ولا يمكن أن تتناقض أو تتضارب، إلا في الأفكار المتطرفة، أو المخترقة من قبل أفكار وافدة تستهدف سلام ووئام الوحدة الوطنية، التي هي الضامن الأهم لاستقرار وأمن وازدهار الجميع".

الخلاصة... الكراهية لا تفيد والأحقاد لا تبني، والإرهاب إلى زوال... الحوار والجوار هما الحل.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.