الوحدة الوطنية.. الوساطات والمحسوبيات

عبد الله بشارة

نشر في: آخر تحديث:

عرضت صحيفة القبس، في عددها يوم الأربعاء الثالث من أبريل الماضي، تحقيقاً ثرياً، بذل المحررون فيه جهداً خارقاً تمكنوا من تقديم رسم بياني عن متاعب الوساطات البرلمانية في حياة الكويت وتدخلات بعض النواب في اختصاصات الحكومة كسلطة تنفيذية تدير شؤون البلد وفق لائحة الدستور، الذي يستند في فعاليته على الاحترام المتبادل بين السلطتين وابتعاد كل منهما عن التدخل في شؤون الأخرى، وذلك من أجل الحفاظ على معادلة التوازن التي يستند عليها الدستور. أوضحت لنا صفحات القبس حجم التآكل في الانضباط الدستوري من قبل بعض النواب، الذين لا يلتزمون بأصول قواعد العمل، مسببين الاضطراب البيروقراطي والخلل الاداري ومستحضرين الارتباك داخل الوزارات، ومندفعين للحصول على مكاسب للناخبين، غير عابئين بحقوق الآخرين، ومتجاهلين المأمورية البرلمانية في احترام القانون وصيانة الدستور وحمايته من التلاعب، وأكثر من ذلك مساهمين في ظلم من لا يحصل على وساطة، ومسببين الاستياء في الادارة العامة للدولة، ومع تواصل المخالفات وتكاثرها صار هذا السلوك طبيعياً وأصبح المتعفف من النواب معزولاً، لا يحقق شيئاً لناخبيه وقد يخسر أو يتعثر. تحولت الديموقراطية المستندة على دستور ينشد المساواة ويرفض التفرقة ويستنكر التحزب القبلي والترابط الفئوي إلى وثيقة لا يلتزم ببنودها عدد كبير من النواب، ولا يعبأ بما يسببه من إخفاقات وإحباطات للذين لا تشملهم مساعي الوساطات. لا توجد دولة برلمانية في العالم تهادن حكومتها شهية النواب في الخروج على الدستور مثل حالة الكويت، رغم أن الكويت تصرخ بأعلى صوت بضرورات الالتزام بجواهر الدستور، لأن الدستور وثيقة الحكم وشرعيته، حامي الوحدة وواقي الوطن ومبعد الفتن، وراسم الحدود لحقوق الوطن ومسؤوليات المواطن، وهو الرابط لتشابك المواطنين في خيوط الولاء، وهو الناطق باسم النظام، وهو صوت المجتمع الواحد، وهو منبع الوهج لدبلوماسية الكويت، وهو العامل المؤثر في المحفل العالمي، ورغم كل ذلك يتعرض لاستضعاف معانيه من قبل نواب الخدمات والوساطات، الأمر الذي تسبب في انكماش تأثيره في السلك الوظيفي للدولة، وتعامل معه البعض وكأنه قائمة من وصايا عامة لا تلزم أحداً، مما أدى إلى تجاوز الخطوط وسط أجواء تخبطات تتدخل في الشأن الوظيفي وتضر بالانسجام الاداري للدولة. تقول صحيفة القبس في عددها الذي أشرت إليه، بأن 25 نائباً يمارسون لعبة المخالفات جهاراً نهاراً، مع إشارة إلى تعاون الحكومة التي تخصص كوتا لكل نائب، مع جسارة نيابية في التجاذب مع الجانب العسكري في التدخل في التعيينات الأمنية والدفاعية. كما اتسعت توغلات أساليب الوساطات حيث مست الأطباء والمدرسين وكل ما هو متواجد داخل هيكلة الدولة، بالاضافة إلى السلك الدبلوماسي وتعيين السفراء ونقلهم واختيار الجغرافيا التي يتطلعون إليها. لم يستطع المجلس الحد من تدخلات بعض النواب داخل قاعته في منظر يتعرض فيه الوزير لمداهمات وإصرار على تمشية معاملة، لأن في هذا النهج يجد النائب الإعاشة الانتخابية التي تؤمن له العودة إلى مسرح الامتيازات. كل هذه المداخلات، بالإضافة إلى قبحها، أدت إلى ضعف المصداقية الحكومية التي تعتبر هذه التسهيلات هي الضمان الآمن للدعم النيابي لمواقفها ولقبول إجراءاتها داخل قاعة البرلمان، هذا الوضع يثير التساؤلات عن الحاجة الملحة لثقافة دستورية وحوارات داخلية راصدة وناقدة وبيانات توضيحية وواجبات تقوم بها التجمعات الأهلية التي تستوحي شرعيتها من روح الدستور. كان تعليق بعض النواب على تحقيق صحيفة القبس، بأن النواب ملتزمون بالدفاع عن المساكين الذين لا صوت لهم، الذين لا يملكون الوسائل الموصلة إلى أصحاب القرار، والنواب هم الصوت الشرعي للدفاع عنهم. هذه الأطروحة المبررة للتدخلات، والتي تشكل تهديداً للأمن الدستوري، ليست من تفريخات الدستور، وإنما أتت من ممارسات لا تعبأ بمعاني الدستور، فلم تكن موجودة مع بدء الحياة البرلمانية في العشر السنوات الأولى، لأن نواب الأمس من النوع، الذي لا يتدخل على حساب الانضباط ولا يتواجد في ممرات الوزراء، ولا يتحدث مع الوزراء عن ترقية فلان ونقل الآخر، وإذا ما حدث واتصل فالعادة أن يكون في الشأن العام للدولة وفي مسارها السياسي، حرصاً من نواب الأمس على تصويب المسار نحو الأفضل. كان هناك احترام للكفاءة وتقدير للإبداع، وأهم من ذلك كانت لهم غريزة العدالة مع إدراك لأهمية ترسيخها، ولتجنب الاضطراب الذي تسببه هذه التدخلات، وكان هناك حجم مرتفع من التقدير لمسؤوليات الوزراء والابتعاد عن ازعاجهم طالما التزموا ببنود الدستور. كانت قواعد المساءلة مختلفة عن قواعد اليوم، ليست فيها اعتبارات لتأمين البقاء في عضوية المجلس وإنما تأتي من غياب الجدارة المتوقعة من الوزير. لم تكن حكومات الأمس تتخوف من ردة النواب في التعيينات، ولم تسع لارضاء النواب للحفاظ على وزرائها على حساب النظام العام، لم تكن هناك ضرورة لطرح مبدأ التمكين الذي يؤمن للحكومة الاستمرار، كان وضع الحكومة مضموناً لأن مقاييس التقدير مختلفة وقواعد الاحتكام بعيدة عما نشهده اليوم. هذا الوضع لا ينسجم مع التكريمات التي نالتها الكويت من المجتمع العالمي، فأميرها قائد للانسانية، ورائد للتنمية من قرارات صدرت من الأمم المتحدة ومن البنك الدولي فهناك فجوة بين الصورة الجميلة التي رسمها سلوك سمو الأمير وواقع التخبط الذي تتعرض له إدارة الحكومة للدولة. نكرر أن المخالفات الدستورية لها إفرازات عنوانها ضياع الحق والانصاف وغياب الاحترام للكفاءة، وإعلاء التسلط والاعتداء على النظام العام مع اتساع التذمر والانشقاق في الجبهة الداخلية. والحل في تعميق الوعي السياسي الوطني، الذي يجابه هذه المخالفات ويعريها وينشر أضرارها على المجتمع، فلم يبق غير التوعية والاصرار على محاصرة المخالفات وكشفها، كما قرأنا في صحيفة القبس.

نقلا عن "القبس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.