عاجل

البث المباشر

خطة عمل للمعارضة التركية في إعادة انتخابات إسطنبول

تمكّنت تركيا من إجراء خمسة انتخابات خلال السنوات الأربع الماضية. وفي الثالث والعشرين من يونيو 2019، سيتوجه سكان أكبر مدينة في البلاد إلى صناديق الاقتراع للمرة السادسة. إن الجيل الذي كثيراً ما قال إنه سئم من الشهادة للتاريخ سوف يتخذ مرة أخرى موضع الشهود ويصوت على مستقبل الديمقراطية في تركيا.

ومع ذلك هناك بعض الحقيقة في الرأي التقليدي القائل إن هذا التصويت سيكون مختلفاً عن تلك المرات السابقة. فقد أنهت انتخابات يونيو 2015 الأغلبية البرلمانية لحزب العدالة والتنمية لأول مرة منذ عام 2002. ومع ذلك تمكّنت القوى المتحالفة مع المعارضة القومية وحزب العمال الكردستاني -المستعد لإطلاق النار- من إلغاء هذا التصويت واستعادة مقاعدها البرلمانية المفقودة بعد خمسة أشهر. ومهد استفتاء على الدستور في عام 2017 الطريق لنظام رئاسي تنفيذي، ومع إجراء انتخابات يونيو 2018 ألغى البرلمان نفسه عمليا.

وأنهت الانتخابات المحلية التي أجريت في تركيا في 31 مارس الماضي هيمنة حزب العدالة والتنمية على البلديات الكبرى، بما في ذلك إسطنبول بيت القوة الاقتصادية، على الأقل مؤقتاً. وقد أدى انتصار المعارضة في سباق رئاسة بلدية إسطنبول إلى إحياء الإيمان بالديمقراطية بين المواطنين الأتراك، إذ بث حياة جديدة في الأغلبية الصامتة التي سئمت من قمع الحكومة.

وبدافع الخوف الوجودي تقريبا من فقدان السيطرة، تدخلت الهيمنة مرة أخرى في العملية السياسية وقررت إعادة انتخابات إسطنبول. كان هذا بمثابة التخلي عن خطاب “الإرادة الوطنية” وعبور الخطوط الحمراء التي رسمها الرئيس رجب طيب أردوغان بنفسه. فهو لا يهتم؛ وقد كان الثمن الذي دفعه باهظا جدا.

لا توجد فائدة في الوقوف أكثر من اللازم عند كيفية وصولنا إلى هنا. الآن قد حان وقت العمل. لذلك دعونا نكرر السؤال الذي طرحه لينين في عام 1902: ما الذي يجب فعله؟

قبل الخوض في خطة العمل الخاصة بنا، هناك بعض الأشياء التي يجب تذكرها:

تركيا دولة استبدادية يحكمها نظام الرجل الواحد. يجب أن نتوقف عن التصرف كما لو كان هناك ما يشبه الديمقراطية، والتخلي عن وصف الوضع الحالي بمصطلحات العلوم السياسية الجذابة مثل “الاستبداد التنافسي”. ومهما كانت النبرة التي قد يستخدمها المرء لوصف نظام يتجاهل حكم القانون ويلغي نتائج الانتخابات، ينبغي للمرء تجنب كلمة “الديمقراطية”.

غالبية الناخبين ما زالوا يدعمون هذا الاستبداد. بالتأكيد، العملية الانتخابية ليست عادلة، ويتم التلاعب بالنتائج، وبشكل خاص في المناطق التي تضم نسبا مئوية مرتفعة من الناخبين الأكراد، تحدث كل أنواع تزوير الانتخابات لضمان فوز حزب العدالة والتنمية. ومع ذلك، فإن أكثر من 50 في المئة من الناخبين في جميع أنحاء تركيا، أي حوالي 23 مليون شخص، يدعمون التحالف الوطني لحزب العدالة والتنمية. فقد حصل حزب العدالة والتنمية في المجمل على 44 في المئة من الأصوات، بفارق 14 في المئة قبل ثاني أعلى نسبة.

تعمل الثقافة السياسية المهيمنة والأيديولوجية والهياكل الاجتماعية لصالح النظام. بهذا لا أشير إلى الانقسام التقليدي بين اليسار واليمين أو القول المأثور “إن 70 في المئة من الناخبين الأتراك على اليمين السياسي”. من المعروف أن غالبية كبيرة من الناخبين يحملون القيم القومية المحافظة، ويفضلون الاستقرار والسلامة على الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية. أضف إلى ذلك النفور المتفشي من الأقليات، ومزايا البقاء في السلطة لمدة 17 عاما، والإمكانيات الوفيرة للتلقين، ومن الواضح مدى صعوبة الطريق أمام أولئك الذين يصبون إلى الديمقراطية.

كما أن الزخم السياسي العالمي يفضل الائتلاف الحاكم. لقد استولت الحركات اليمينية المتطرفة على الديمقراطيات الغربية الراسخة، وسط نمط من السياسة القومية الانعزالية المعادية للمهاجرين. الدول التي ترفض صراحة الديمقراطية الليبرالية، مثل المجر وبولندا، أعضاء في الاتحاد الأوروبي. يقود الولايات المتحدة ديماغوجي يؤمن بسيادة الأغلبية البيضاء من الأنجلوساكسون والبروتستانت. يتصدر حزب تأسس قبل بضعة أسابيع في بريطانيا استطلاعات الرأي قبيل انتخابات البرلمان الأوروبي المقبلة. باختصار نحن نعيش في عصر الشعوبيين والقوميين والمستبدين.

مع وضع كل هذا في الاعتبار، هذا ما يجب أن تفعله المعارضة في تركيا:

1- مقاطعة الانتخابات ليست خياراً. ما لم تشارك جميع الأحزاب في المقاطعة، لا يمكن أن يأتي أي خير من رفض التصويت. الدعوات إلى المقاطعة لتجنب إضفاء الشرعية على الحكومة ممارسة عقيمة. الحكومة ليست شرعية ديمقراطية على أي حال. ومن خلال إلغاء الانتخابات أثبتت بوضوح أنها لا تهتم بالديمقراطية. بغض النظر عما قد تكون عليه النتائج، يجب على الجميع الذهاب إلى صناديق الاقتراع.

2- منذ أن تحولت الانتخابات المحلية إلى استفتاء شخصي، فإن غير الراضين عن مسار البلاد ويريدون الديمقراطية يحتاجون إلى التفكير بشكل استراتيجي والاتفاق على مرشح واحد. يجب أن يكون هذا المرشح بالطبع مرشح حزب الشعب الجمهوري، أكرم إمام أوغلو، الذي هزم حزب العدالة والتنمية في انتخابات 31 مارس بفضل حملة ذكية وشاملة للجميع.

3- يجب تنحية الاستقطاب الفكري جانباً لإحباط جهود حزب العدالة والتنمية الرامية إلى تقسيم المعارضة، التي تحتاج إلى تجاوز الماضي والتطلع نحو المستقبل.

4- حزب العدالة والتنمية سيبذل قصارى جهده للفوز، وسوف يلجأ إلى أي شكل من أشكال التزوير. يجب على جميع الأحزاب السياسية وجماعات المعارضة المدنية حراسة صناديق الاقتراع بشدة. حتى لو كان من المستحيل منع التزوير فعليهم القيام بكل ما هو ضروري لكشف التزوير إذا حدث.

5- على الرغم من كل هذه الاحتياطات، يمكن للنظام (وربما) سيعلن النصر. قد يتجاهل الاعتراضات ويقمع الاحتجاجات من خلال العنف، بل ويحاول حبس إمام أوغلو. في هذه المرحلة تجدر الإشارة إلى أن الحزب الحاكم خسر إسطنبول بالفعل. أيّ نتائج انتخابات قد تعلنها المؤسسات الإعلامية الحكومية في 23 يونيو المقبل لن تغير هذه الحقيقة.

6- إذا كان الهدف هو إرساء الديمقراطية، يجب اعتبار يوم 31 مارس علامة فارقة، بغض النظر عن نتيجة يوم 23 يونيو. إن إلغاء نتيجة الانتخابات دليل على أن النظام يدرك هذا أيضاً. إن التشبث بإسطنبول للحفاظ على الوضع الراهن وضمان البقاء الشخصي لن يؤدي إلا إلى تأخير ما لا مفر منه.

7- أخيرا، لا ينبغي فهم إرساء الديمقراطية في تركيا باعتباره قضية مؤسسية. تتشكل المؤسسات من خلال الثقافة السياسية السائدة. القادة الذين “يقتلون” الديمقراطية هم نتاج الأشخاص الذين يمثلونهم. المعارضة نفسها ليس لديها سجل حافل بالديمقراطية ومع ذلك، ليس لديها أي خيار سوى النضال.

في مقدمة كتاب “ما الذي يجب فعله؟” يذكر لينين أن خطته الأولية كانت مواصلة كتابة سلسلة مقالات بعنوان “من أين تبدأ؟” حتى أنه اعتذر لقرائه عن تأخره في الكتابة. ربما السؤال الذي يجب طرحه على من يعارضون نظام حزب العدالة والتنمية ليس “ما الذي يجب فعله؟” بل “من أين نبدأ؟”. النقاط السبع التي أوجزتها أعلاه ما هي إلا محاولة للإجابة عن هذا السؤال.

* نقلاً عن "العرب"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة