أطلال ماضٍ جميل

منصور النقيدان

نشر في: آخر تحديث:

في أواخر عام 2011، فاضت روحُ شيخٍ في السبعين من عُمره في مدينة “بريدة” وسط السعودية، وبعد أيام قام أبناؤه بجمع أوراقِه وحصْر تركته والبحث في خزانته الخاصة.. في بداية تسعينيات القرن الماضي، أعفَى هذا الرجل لحيته وقصَّر ثوبَه والتزم تديُّنًا متشددًا؛ امتنع خلاله عن سماع الموسيقى والأغاني، منسجمًا مع التحوُّل الكبير داخل بيته؛ في أبنائه وبناته الذين انجرفوا مع المد الصحوي الديني الذي غشيت ظلمته البلاد. وكان الحركيون من السروريين والإخوان المسلمين يعيشون عصرهم الذهبي وقوتهم الكاسحة. لكن المفاجأة أن أبناء هذا الرجل عثروا بين أوراقه على شريط كاسيت لسلامة العبد الله، وهو واحد من أشهر الفنانين السعوديين وأكثرهم جماهيرية في الخليج العربي. كان الشيخ في خريف عمره يأنس بصوت سلامة كلما خفَّ الرقيب وانفرد بنفسه، أو سافر وحيدًا على سيارته، مستسلمًا لمشاعره الدفاقة إذا حنَّ قلبه وهاجه الشوق إلى أيام الصبا، وهجمت عليه بُرح الماضي الجميل وذكريات الشباب وشُرته.

وفي يوم الجمعة الماضي، نظَّمت هيئة الترفيه في السعودية حفلًا غنائيًّا في مدينة “بريدة”. “إنها حالة فريدة من التنوُّع الفكري والثقافي، مثَّلت فيه (بريدة) مختلف التيارات التقدمية والمحافظة؛ ما جعل الحفل الغنائي الذي قدَّمه فنان العرب محمد عبده وخالد عبد الرحمن، محط اهتمام ومتابعة من شرائح المجتمع السعودي كافة”، كما يقول الكاتب عبد الله الزيد، أحد مثقفي “بريدة” وباحث في تاريخ الفنون.

وسجل الهاشتاج المخصص لمتابعة الفعالية على موقع التواصل الاجتماعي “تويتر” ترندًا عالميًّا. وأُقيم الحفل في المسطح “الأخضر” لملعب مدينة الملك عبد الله الرياضية، ونقلته في بث مباشر ثلاث محطات تليفزيونية؛ عبر مراسلين ميدانيين رصدوا كواليس التنظيم وردود فعل الجمهور الذي عبَّأ منذ وقت مبكر كامل المساحة المخصصة للحضور. وذكر تركي آل الشيخ، رئيس هيئة الترفيه، في حسابه على “تويتر”، أن استاد الملك عبد الله شهد زيادة في طاقته الاستيعابية؛ بسبب نفاد تذاكر الحفل خلال عشرين دقيقة فقط من طرحها للبيع.

ويذكر الكاتب عبد الله الزيد أنه في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وعلى تخوم جدران إحدى مقابرها الملاصقة لمبنى نادي “التعاون” الرياضي، أُقيم في مدينة “بريدة” عاصمة منطقة القصيم، آخر حفلات الطرب “المنظم”؛ ليصمت بعدها صوت الغناء لأكثر من أربعين سنة، كانت فيها إحدى أغنى المدن السعودية رقمًا ثابتًا في حركة الصحوة الدينية التي أرخت بظلالها على المشهد الفني في البلاد. وتوقَّفت خلالها الحركة الفنية الرسمية المنظمة بدواعٍ شرعية واستجابة للفتاوى الدينية التي حرَّمت الغناء ومنعت أي اعتراف مؤسسي له؛ فتم على إثر ذلك وقف الأنشطة الموسيقية كافة، حتى المصاحبة منها للمسرحيات والتجمعات الرسمية. وبات محبو الطرب من البريداويين يبحثون عن جلسات الغناء في الزوايا المغلقة للاستراحات النائية والمخيمات المعزولة على أطراف “بريدة”. ويضيف الزيد: “كانت هذه الحفلات هدفًا لفرق المداهمات في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ حيث يُوقف فيها (سميع الغناء) في غرفة حجز الهيئة”.

مدينة التجارة والدين

وعُرفت مدينة “بريدة” بأنها مهد تُجار العُقيلات الذين وضعوا بصمتهم على المدينة منذ منتصف القرن التاسع عشر، وانعكس تأثيرهم واضحًا في الثقافة والاجتماع والتحالفات السياسية ونمط العمران والبناء والعادات الغذائية والمحاصيل الزراعية، ورسَّخوا علاقات واسعة ممتدة خارج الجزيرة العربية؛ من الهند حتى مصر والسودان، مصحوبةً بالانفتاح والاقتباس من عادات وتقاليد المجتمعات العربية والإسلامية وغيرها شرقًا وغربًا. وفي نهاية القرن التاسع عشر كتب رحالة ألماني زار “بريدة”، أن أهلها لا يعرفون إلا الصلاة والتجارة. وفي 1926 عرفت هوليوود خليل الرواف، أول أبناء الجزيرة العربية من “بريدة” يشارك في فيلم عن الغرب الأمريكي في مشهد قصير لا يزيد على ثلاثين ثانية. ومن بريدة هاجر أول نجدي إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وهو علي الخليفة، جد المدير الأسبق لجمعية الثقافة والفنون في “بريدة” علي بن عبد الله بن علي الخليفة.

متاجر تبيع الأغاني المحرمة.. وفتوى تُحَرِّمها ولا تغطية قانونية!

منذ بدأت الصحوة الدينية التي استلهمت نهج الإخوان المسلمين، عاشت السعودية انشطارًا في التعاطي مع الفنون والموسيقى؛ حيث تُباع الأغاني والكاسيتات والآلات الموسيقية في متاجر مُرَخَّصة من الدولة، ولكنها لا تحظى بالحماية القانونية، ولا يحميها القضاء. كما أن وزارة الإعلام لم تكن قادرةً على حماية المنتجات الفنية، ولا علاماتها التجارية؛ لأن الفتوى الرسمية تُحَرِّم الأغاني ولا تعترف بحُرمتها ولا تراها مالًا محترمًا. وكانت الحفلات الغنائية -للفنانين الرجال ولا يُسمح فيها بالحضور النسائي- في صيف “أبها” جنوب المملكة، في الفترة التي كان فيها خالد الفيصل أميرًا لمنطقة عسير، موسمًا للمزايدات الدينية. وإلى وقت قريب تسبَّب هذا الانقسام والتناقض بين الواقع والتشريع والفتوى والقانون في مشكلات سمحت بضعف الجهات التنفيذية وأغرَت كلَّ مَن ينوي الاحتساب وإتلاف المنتجات الفنية بدوافع دينية، باتخاذ فتاوى العلماء الرسميين ذريعةً للنجاة من المحاسبة والعقاب، كما أنها تسببت في خصومات وضياع الحقوق بين الشعراء والفنانين والمنتجين.

وفي عام 2005، اختصم شاعرٌ ومغنٍّ شعبي في “بريدة” على الحقوق الفكرية، وتولَّت وزارة الإعلام الفصل في ذلك، ولكن مسار القضية أخذ منحًى غرائبيًّا؛ حيث وجد المغني أنه قد يكسب الموقف ويكتسح خصمَه إذا دفع بالفتوى الرسمية بتحريم الموسيقى وبيعها والمتاجرة فيها، واتهامه الشاعرَ بميوله الليبرالية ودعمه قيادة المرأة للسيارة.

منع الحفلات الموسيقية واعتزال الفنانين

وفي أواخر السبعينيات، أدَّت الفنانة اللبنانية فدوى عبيد، أغنيتها الشهيرة “صباح الشوق يا بريدة”، كتبها الشاعر مسلَّم البرازي، وبثَّها الراديو السعودي لسنوات طويلة؛ وهي أغنية تاريخية لا تزال عالقة في ذاكرة الكهول والشيوخ، واعتزلت فدوى عبيد الغناء نهاية السبعينيات بعد أن قصُرت أغانيها على الموشحات والأغاني الدينية، ثم هاجرت إلى الولايات المتحدة الأمريكية، مسقط رأسها، حيث ولدت وترعرعت بعد بدء الحرب اللبنانية.

فدوى عبيد

وفي عام 1980، صدر أمر ملكي بعد حادثة احتلال المسجد الحرام من جماعة جهيمان، بمنع بث أغاني الفنانات والأصوات النسائية على الراديو، ومنع ظهورهن على التليفزيون.

وفي عام 1986، وبضغوط من رئيس محاكم القصيم الشيخ صالح الخريصي، أُلغيت حفلة لطلال مداح، قبل يومَين من إقامتها، وكانت الترتيبات لها على قدم وساق في استاد الملك عبد الله الرياضي. وفي عام 1988 قام متطوعون من التيار الحركي الصحوي بمطاردة مدير جمعية الثقافة والفنون في “بريدة” إثر أمسية شعرية، وانهالوا عليه بالضرب والركل أمام المارة، مصحوبًا بالشتائم واللعن، كما مُنعت الدورات الموسيقية والحفلات التي كانت في صلب اهتمامات جمعية الفنون لعقود طويلة، واستبدلت الأناشيد الداعية إلى الجهاد وغزو العالم الكافر بالموسيقى في كل الأنشطة الترفيهية والمناسبات الرسمية وغيرها، ما عدا السلام الملكي الذي كان يُمَثِّل عند شيوخ الصحوة انحرافًا وتمجيدًا لغير الله، ووثنيةً معاصرة.

الشيخ صالح الخريصي

ومنذ ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، حتى أوائل ثمانينياته، كان المغنيان الشعبيان حجاب بن نحيت وفهد بن سعيد، يقيمان في “بريدة”، ويتمتعان بشعبية كبيرة وواسعة بين شبابها وصباياها وفتياتها في أطراف المدينة، ولكنهما هما الآخران، تلبستهما روح الصحوة الدينية الكئيبة التي دفعتهما إلى اعتزال الغناء وتحريمه. وفي عنيزة في أواخر ثمانينيات القرن الماضي اعتزل الغناء (عندليب القصيم) عبد الله الصريخ، أشهر فناني مدينة عنيزة. ولكن الصريخ عاد في أوائل الألفية الثالثة عبر لقاءات صحفية انتقد خلالها بجرأة تحريم الغناء، مشككًا في الفتاوى التي تُحَرِّم الموسيقى؛ ولكن عودته إلى الغناء كانت متعثِّرة بعد قرابة عقدَين من الانقطاع تقدم خلالهما في العمر وهرم صوته في مزدحم من الفنانين الجدد الذين ملؤوا الساحة وأضافوا لونًا جديدًا من الطرب؛ وعلى رأسهم خالد عبد الرحمن وعزازي.

اعتزال محمد عبده

وفي عام 1986 أُشيع في أوساط المتشددين في بريدة -وهي معلومة لم تؤكَّد- أن فنان العرب أوقف مسجدًا باسم أُمِّه في حي القويع غرب بريدة؛ ولكن المشروع أُلغي وتوقَّف البناء بعد معارضة شديدة ترى تحريم الصلاة في المسجد؛ لأنه -حسب هذه الرؤية- قد بُني من مال حرام.

وفي عام 1990 انتشر تسجيل صوتي لمحمد عبده وهو يؤذِّن في واحد من مساجد مدينة جدة، ثم قدَّمه إلى الحضور المصلين واعظٌ معروف هو أبو بكر جابر الجزائري، وتلا في أثنائها محمد عبده سورة من القرآن الكريم، كبَّر إثرها الحضور سعادةً بتوبته وأوبته.. ولكن فنان العرب لم ينقطع طوال ثماني سنوات عن افتتاحيات مهرجان الجنادرية وأوبريتاته التي يشارك فيها أكبر فناني المملكة. وفي عام 1997 أقام حفلته الأولى في لندن.

عهد جديد مشرق

ومنذ وصول الملك سلمان بن عبد العزيز إلى الحكم في يناير 2015، شهد المجتمع السعودي تغيُّرًا كبيرًا على مختلف الأصعدة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية؛ تماشيًا مع (رؤية 2030) التي قدمها ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان؛ للرفع من جودة الحياة. وفي نوفمبر 2018، استقبل أهالي القصيم العاهل السعودي الملك سلمان، في أول جولة له عقب تسلُّمه الحكم، بحفل تاريخي باذخ، رقصت فيه الفتيات الصغيرات، وصدحت فيه الأغاني بصوت نسائي، في سابقة تاريخية.

وفي شتاء 2018، شهدت مدينة الملك عبد الله الاقتصادية، أولى الحفلات الغنائية للمغنية العالمية ماريا كيري، وفي ذات الوقت شهدت “طنطورة” في “العلا” شمال غرب السعودية، أولى الحفلات الغنائية للفنانة ماجدة الرومي.

*نقلا عن "كيوبوست".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.