عاجل

البث المباشر

مرتضى كاظميان

محلل سياسي خبير بالشأن الإيراني

"الحركة الخضراء".. هل انتهت أم إن التجربة مستمرة؟

مرت عشر سنوات علی المظاهرة الاحتجاجية والمليونیة، يوم 15 يونيو (حزيران) 2009.. كانت مظاهرة غير مسبوقة في تاريخ جمهورية إيران الإسلامية، وعلامة فارقة في التطورات السياسية والاجتماعية المرتبطة بالنظام السياسي المنبثق عن ثورة 1979.

وعلى الرغم من أن تلك المسيرة التاريخية کانت احتجاجًا على الانتخابات الرئاسية العاشرة المثیرة للجدل؛ إلا أنها كانت علامة فارقة في خروج المواطنين إلی الشارع للاحتجاج، بشکل بارز وعلی نطاق واسع، على انتهاك الحقوق الأساسية والمدنية.

قبل 15 يونيو (حزيران) 2009، كانت الاحتجاجات في الشوارع في جمهورية إيران الإسلامية مقتصرة على فئة سكانية أو فصيل سياسي معين، أو جماعة مدنية معینة ومحدودة، لكن في المظاهرات التي جرت ذلك اليوم، خرجت طبقات اجتماعية مختلفة، محبطة من نتيجة الانتخابات الرسمية، للسؤال عن نتیجة تصویتها، أو احتجاجًا على تصرفات الحكومة. كان الشيء الملحوظ أن عدد المواطنين الذين لم يشاركوا في الانتخابات لم یکن قلیلا، لكنهم قاموا بعمل ميداني احتجاجًا على سلوك الحكومة، ورافقوا المحتجين.

احتجاج تجاوز الانتخابات

جاءت الاحتجاجات الضخمة على الرغم من التأكيد الرسمي للمرشد الأعلى لجمهورية إيران الإسلامية على النتيجة الرسمية للانتخابات. بعبارة أخرى، كان المواطنون واثنان من المرشحین (كروبي وموسوي)، أول من رفض حكم الشخص الأول في النظام. واستمرت هذه المواجهة حتى بعد خطاب آية الله خامنئي الشهير خلال صلاة الجمعة، يوم 19 يونيو (حزيران) 2009.

هذا "الرفض" والوقوف ضد إرادة ورأي الولي الفقیه المطلق، بالتزامن مع القمع الدموي للاحتجاج المدني للمواطنين، سرعان ما غیّر موضوع حركة الاحتجاج؛ على الرغم من أن نقطة انطلاق الاحتجاجات كانت النتيجة الرسمية للانتخابات والبحث عن إجابة لسؤال "أين صوتي؟"، لکن "الحركة الخضراء" لم تقتصر على كونها مجرد "حركة انتخابية".

كانت الحرکة الاحتجاجية، في البداية، ردًا على فوز المرشح المثالي للنواة الرئیسیة للسلطة؛ لكن في وقت لاحق، تم وضع التغيير الأساسي في الوضع الراهن والإصلاح الأساسي لسلوك الحكام وکیفیة الحكم، على جدول الأعمال.

كان هذا الوضع ملموسًا وبارزًا إلى حد أن مير حسين موسوي صرح أيضًا في ديسمبر (كانون الأول) 2009، بـ"أنهم يريدون منا أن ننسى الانتخابات، كما لو أن القضية هي الانتخابات. كيف نفسر ذلك؟ من المؤكد أن مشكلة الناس لیست الانتخابات ولا یهم أن یصبح هذا أو ذاك رئیسًا؛ المشکلة هي أن يتم بيع العظمة إلی شعب عظیم. ما يغضب الشعب ویثیره هو أنهم ینکرون عظمة الشعب وبصریح العبارة".

وهكذا، فإن "الحركة الخضراء" لم تكن حركة انتخابية بحتة، ولم تقتصر عليها؛ فبعد عام ونصف العام عاد "الخضر" إلى الشوارع، في فبراير (شباط) 2010، بحجة التعاطف مع حركات الاحتجاج في تونس ومصر والمنطقة، ورددوا شعار "الموت للدکتاتور".

وفي "الميثاق" الذي أقره ووقعه موسوي وكروبي، تم التأكيد أيضًا على أن "الحركة الخضراء ستواصل جهودها لحماية أصوات الشعب، حتى يتم تأسيس نظام انتخابي حر وتنافسي وعادل ومنصف، مع ضمان الشفافية الكاملة".

حركة تغيير جذري

بالإضافة إلى ما حدث، كانت الحركة الخضراء متجذرة في التغيير السياسي والاجتماعي والاقتصادي والتكنولوجي؛ وكانت حركة احتجاج على الأكاذيب والخداع والقمع وعدم الكفاءة والاستبداد.

وعلى الرغم من وجود كثير من المشاركين من الطبقة الوسطى المثقفة، فإن عدد المشارکین، من العاطلين عن العمل، والعمال، وذوي الأجور، والمواطنين المنتمين للطبقات الاجتماعية المحرومة، لم یکن ضئيلاً أيضًا. ويمكن توثيق هذا التقييم من خلال قائمة الضحایا أو ترکیبة السجناء.

من ناحية أخرى، اعتُبرت مجموعتان اجتماعيتان كبيرتان، هما النساء والشباب، من الداعمين المهمين للحركة الخضراء؛ وكانت حركة الاحتجاج فرصة لمواجهات نقدية مع تدخلات الحكومة والتوجهات السياسية والآيديولوجية الأساسية للحكام.

وكان هناك كثير من المواطنين بدرجات متفاوتة، یطالبون بالتغيير، وكانوا في الخطوة الأولى یأملون في صندوق الاقتراع لإنجاز هذا التغییر، وبعد فشل هذا التوجه، خرجوا لیطالبوا به في الشارع.

بتعبیر آخر، أصبحت الحركة الخضراء مجالاً للحفاظ على جزء مهم من المعارضة، وبلورة إحباط مجموعة واسعة من المواطنين الرازحین تحت القيود، ومطالبة الطبقات الاجتماعية المختلفة بالتغییر.

السقوط والنمو.. الصمت والمثابرة

كانت الحركة الخضراء هدفًا لحملة الأجهزة القمعیة. مات العشرات من الأشخاص، وألقي القبض على الآلاف من الناس، وجرب الکثیرون العنف والاستدعاء والهجرة. بالطبع، سُجن مير حسين موسوي، ومهدي كروبي، وزهراء رهنورد، دون محاكمة، واستمر ذلك منذ مائة شهر.

من هذه الزاوية، انتهت حركة الاحتجاج هذه، ولكن من منظور آخر، أصبح توجه الحركة وموضوعها وتجربتها سردًا مستمرًا.

وبغض النظر عن الآثار السياسية لاستمرار وضع قادة الحركة الخضراء تحت الإقامة الجبرية، وكذلك التعامل السلبي، والموقف النقدي للمرشد الأعلى لجمهورية إيران الإسلامية تجاه الاحتجاجات التي تلت انتخابات 2009، فإن الحقيقة الواقعة هي الاستياء المتزايد للشعب الإيراني، واتساع جرأة الاحتجاج لتشمل مجموعة واسعة من المواطنين، ويمكن توثيق ذلك في أوقات مختلفة خلال العقد الماضي.

في الوقت نفسه، لا يمكن إنكار حقيقة أن القمع الحاد والطويل الأجل، كما يبدو، قد أدی بمجموعة من المنتمین إلی الحرکة الخضراء إلى أن يكونوا محافظین، وأن يتجنبوا السياسة الراديكالية.

وقد انتقدت بعض طبقات الحركة، تدريجيًا، سياسات النزول للشوارع، والاعتماد على الحركات الاجتماعية لتلبية المطالب وتغيير المستقبل، وركزت على النهج الذي كان موجهًا نحو الانتخابات، قبل انتخابات 2009.

وكان هناك طیف أیضًا، ارتبط، في مجمله، بالحکومة المعتدلة وأساليبها؛ ومن أجل الفائدة أو المصلحة، تخلی عن انحيازات موسوي وكروبي.

لقد حدث هذا ليس فقط في مجال التنمية السياسية، بل حتى في مجال رفض الفساد والریعیة والشللية.

وعلى سبيل المثال، مع قيام حكومة روحاني، لم یعیدوا قراءة هذه الأجزاء من "الميثاق" الذي وافق عليه موسوي وكروبي، والتي تقول:

"وتعمل الحركة الخضراء علی تمكين اقتصاد البلاد من خلال توفير الحقوق المادية للعمال والمزارعين والعاملين في مجال الخدمات، ووفقًا للأساليب القائمة على العدالة الاجتماعية في إطار القانون، وزيادة الإنتاجية البشرية، وتقليل تكلفة إنتاج السلع والخدمات، وإصلاح الحد الأدنى للأجور من خلال المراقبة الحقيقية لممثلي العمال في مختلف المجالات".

وأيضًا:"الاهتمام بالطبقات المحرومة من خلال تعزيز الاقتصاد الوطني مبدأ لا غنى عنه للحركة الخضراء".

وقد أنجبت الحركة الخضراء معارضةً جديدةً في جمهورية إيران الإسلامية؛ مثل المعارضين الذين كانوا جزءًا من الهيكل السياسي للسلطة، قبل انتخابات 2009، وهم الذين اتخذوا، بعد الانتخابات، أدبیات النقد الصريح والحاد، في انتقاد النواة المركزية للسلطة، وأول شخص في النظام، ولم تكن رسائل مهدي كروبي، أثناء الإقامة الجبرية، وملاحظات أبو الفضل قادياني، سوى شاهدين مهمين على هذا الادعاء.

بالإضافة إلى ذلك، فإن المواجهة الرادیکالیة لقادة الحركة الخضراء، خلال فترة الاعتقال المنزلي، وانتشار مفهوم الوقوف في بيئة محافظة، والتوجه نحو المصالح، والتذكير بالانحياز المتباين تجاه الناشطين المشککین، وتذكير وتشجيع الناشطين المدنيين والسياسيين. كل ذلك شكل مطالبة بالحقوق الأساسية والمدنية؛ وهو حدث، على الرغم من فشله في وقته، فإنه يعد جزءًا مهمًا من تجربة إيران السياسية اليوم، ورمزًا لإمكانية الاحتجاج التي لا یمکن تجاهلها، ويعد استمرار فرض الإقامة الجبرية على موسوي وكروبي ورهنورد، من قبل آیة الله خامنئي، وقوات الأمن المحیطة به، تأكيدًا على ذلك.

من ناحية أخرى، وعلى الرغم من الفشل، فقد أصبحت الحركة الخضراء تجربة قيمة للنشطاء والمواطنين، وهي تجربة يمكن استخدامها، حتى في إعادة تنظيم القوى، سواء من حيث تحديد ومتابعة الاستراتيجية، أو في مجال استغلال الفرص، في "منعطف آخر".

نقلا عن "إيران اينترنشنال"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات