عاجل

البث المباشر

عقوبات خامنئي..المعنى والدلالات

رويداً رويداً يقترب الحبل الأميركي من الإطباق على رقبة نظام الملالي دفعة واحدة، وكما أشرنا من قبل يبتكر ترمب من العقوبات ما هو أشد من مجرد توجيه بضع قصفات صاروخية إلى مواقع عسكرية إيرانية.

يمضي ترمب عبر أدوات اقتصادية تحيل نهار إيران إلى قلق وليلها إلى أرق، وهو يدفع بها إلى الانتحار البطيء، فإما أن تخنع وتركع، أو تنطلق على غير هدى في تهور استراتيجي، يكتب نهاية نظام ثيولوجي دام أربعة عقود، أضر باستقرار المنطقة والعالم.

لم يعد أحد مستثنى من العقوبات داخل إيران، وقد جرت العادة أن من يعلن ذلك النوع من الإجراءات هو وزارة الخزانة الأميركية كل مرة، غير أن هذه المرة يمضي ترمب ومن البيت الأبيض في فرض العقوبات على مرشد الثورة والمحرك الحقيقي للأحداث، والقابض على جمر الحرس الثوري بنوع خاص.

ليس خامنئي وحده المستهدف، بل عدد كبير من المسؤولين الإيرانيين، الأمر الذي يعني أن مليارات الدولارات التي كانت في حوزة كبار الفاعلين الإيرانيين قد تبخرت إلى أن ترتدع إيران، وذلك عبر طريقين لا ثالث لهما، الأول هو التخلي عن البرنامج النووي الإيراني، وبالتبعية الصاروخي، كما أشار ترمب مساء الأحد في تصريحات تلفزيونية، والثاني وقف دعم الإرهاب، ذاك الذي استمرأته إيران طويلا جدا، وعلى غير المصدق أن ينظر إلى الهجمات الحوثية على المنشآت المدنية السعودية، وآخرها مطار أبها مرة أخرى.

نحن أمام مشهد متغير مرة أخرى، فالرئيس الأميركي يعلن الآن انتقاما غير مسبوق من الملالي والمرشد على الرأس منهم، هذا هو رد الفعل على قصف الطائرة التي كانت تعد بمثابة فخر الصناعات العسكرية الأميركية في مجال التجسس.

بهدوء تتكشف لنا الأحداث، من غير ضجيج، وبدون أصوات زاعقة أو رايات فاقعة، إنها واشنطن القائمة مقام سيدة قيصر، وروما العصر الجديد مالئة الدنيا وشاغلة الناس، والتي تعرف كيف تثأر من أعدائها وإن بطريق عقلاني.

حين تحدث جون بولتون مستشار الأمن القومي الأميركي في تل أبيب قبل ساعات من عقوبات ترمب على المرشد وصحبه، لم يوفر التهديد، بالقول لا تختبروا عقلانية وهدوء وتريث ترمب، كان حديثه بمثابة الهدوء الذي يسبق العاصفة، وربما يأتي من بعد ذلك البركان المعد للانفجار في الوجه الإيراني إن بقيت على عنادها.

عما قليل يتبين لنا أن الرئيس ترمب نسخة مثيرة من الرؤساء الأميركيين، وليس مستبعداً أن نايجل هاميلتون صاحب كتاب "القياصرة الأميركيين"، يصف ترمب لاحقا بأنه "الرئيس الذي بلغ مرتبة من العظمة" في عيون الأميركيين، لاسيما أنه ماض قدما في مواجهة أميركية حقيقية غير مسبوقة تجاه إيران ومؤامراتها.

نحن أمام طبعة من رئيس لا يندفع إلى الأمام من غير حسابات استراتيجية مثل بوش الابن من جهة، ولا يركن إلى الاستكانة والقيادة من وراء الكواليس كما باراك أوباما من جهة ثانية، إنه ترمب الذي يختصر المسافات، ويصل إلى هدفه بأقل الخسائر.

حكماً هناك في الداخل الأميركي ثنائية تكفل لهذا البلد الإمبراطوري الريادة والقيادة، هناك الرجال وهناك المرجعيات، الرجال الخبراء والمفكرون والمبدعون كل في مجاله، وهناك كذلك المرجعيات المتمثلة في مراكز دراسات بها أنفع وأرفع العقول الأميركية.

الثنائي المتقدم هو من يقود ترمب على خطى كونفوشيو ، أي كسب معركة واحدة بطرق غير حربية أو عسكرية، كطريق أنجع من كسب ألف معركة بالحرب.

عقوبات ترمب على المرشد، يمكن فهم ما ورائياتها من خلال الوقوف أمام تصريح مثير لفت إليه النظر نائب الرئيس مايك بنس ليلة الأحد ذاتها في حوار متلفز آخر، إذ أشار إلى أن هناك معلومات استخباراتية ليس الآن الوقت الملائم للكشف عن مصدرها، تشير إلى أن إسقاط الطائرة لم يكن عملا جماعيا، وربما يعني هذا أنه توجه للحرس الثوري وقمته خامنئي، بأكثر منه رغبة من قيادات الجيش الإيراني التقليدية في إشعال الحرب مع الولايات المتحدة الأميركية، والأمر مرشح للكشف عن المزيد من المعلومات.

الآن ما الذي يفعله ترمب بالمطلق؟

يمكن القطع أن الرجل بدا ناجحاً بالفعل في بناء جدار للجماعة الدولية أمام إيران وإرهابها وسلاحها النووي، وقد تجلت نجاحات هذا الجهد في الموقف البريطاني بنوع خاص، والذي يقترب الهوينا من نظيره الأميركي، فيما ظهر على السطح ما كان خافيا ومتمثلا في خطاب أرسله الأوربيون إلى الجانب الإيراني نهار 22 يونيو الجاري، كان مفاده التحذير القريب جدا من الوعيد، حال مضي إيران في تخصيب اليورانيوم وزيادة مخزونها منه بأكثر من 300 كلغ.

الروس لن يقفوا طويلا بجانب إيران، ومن قبل أعلنها بوتين، إنهم ليسوا فرقة إطفاء لحرائق الشرق الأوسط، وغالب الأمر هناك مقاصة أميركية روسية بين فنزويلا وإيران، ونهاية لعب عض الأصابع بين الجانبين، وفيها ستدفع طهران ثمنا باهظا.

ما المتوقع إذن؟
باختصار غير مخل، نحن ننتظر الرد الإيراني على عقوبات خامنئي، فهل ستتنبه طهران إلى ميزان الانتباه العسكري بينها وبين واشنطن، أم أنها ستسعى إلى استدراج واشنطن والعالم من ورائها إلى مواجهة تلقى فيها حتفها حتى وإن سعت إلى إشعال مؤقت للمشهد؟

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات