عن اللباد والخطي ومراجعة أحداث الإرهاب في القطيف

حسن المصطفى

حسن المصطفى

نشر في: آخر تحديث:

استضاف الزميل عبد الله المديفر، في مايو الماضي، ضمن برنامجه "الليوان" على شاشة "روتانا خليجية"، الشاعر السعودي عادل اللباد، الذي يقضي حكما قضائيا بالحبس في سجن المباحث العامة، بسبب مواقفه وقصائده التحريضية، إبان فترة ما عرف بـ"الحراك" في محافظة القطيف، حيث شهدت المنطقة حينها العديد من أعمال العنف والإرهاب والتخريب.

اللباد الذي تحدث عن تجربته إبان التحاقه بـ"جبهة تحرير البحرين"، والعمل التنظيمي خارج السعودية، بدا ناقدا للسياق التاريخي الذي عاشه. وفي ذات الوقت نادما على مشاركته في عمليات التحريض، ومعتبرا أن ما مر على المنطقة الشرقية أضر بالناس وبأمنهم ومعاشهم.

هذه "الاعتذارية" تعتبر شهادة مهمة، رغم ما شابها من قصور وأخطاء تاريخية. فالمتابعون لمسيرة حركة "الطلائع الرساليين"، و"منظمة الثورة الإسلامية"، وتاليا "الحركة الإصلاحية"، يدركون أن اللباد كان فردا ضمن آلاف الشباب ممن التحقوا بمعسكرات الحركة الأم، وتأثر بخطابها الجماهيري، دون أن يكون لديه العمق المعرفي، أو المنصب القيادي المتقدم، ولا حتى العلم الحوزوي، بسبب قصر تجربته من جهة، وابتعاده عن هيكل الحركة الرئيسي ولجانها.

المرجعية والتنظيمات العسكرية

في "الليوان"، وقع عادل اللباد في عدد من التفسيرات غير الدقيقة لأدبيات الحركة "الرسالية". حيث حاول أن يفصل بين "الشيرازية" كتيار سياسي منظم، ومرجعيته الدينية متمثلة في الراحل السيد محمد الشيرازي. وهو فصل غير دقيق كما يتضح لمن قرأ وتفحص أدبيات التيار.

صحيح أن السيد الشيرازي كان يؤمن بأهمية "السلم"، وبنظرية "اللآعنف". إلا أنه شكل غطاء فقهيا وروحيا لكل تلك التنظيمات العراقية والبحرينية والسعودية التي تتبع مرجعيته. وجميعها تنظيمات تمتلك تشكيلات عسكرية، ومعسكرات تدريب، سواء انخرط أتباعها في العمل المسلح ضد حكومات بلادهم أو لم يمارسوه.

عمليات التدريب التي كانت تتم، لم تكن لتحدث من دون علمه، أو وراء ظهره، فآية الله الشيرازي لم يكن مرجعا كهلا، أو صاحب إدارة ضعيفة، بل كان متابعا لكل ما يدور في المنطقة بشكل دائم.

ربما لا يكون المرجع الشيرازي عارفا بجميع التفاصيل، أو كل صغيرة وواقعة تحدث داخل هذه المعسكرات. إلا أنه على دراية بوجود جهد مسلح لدى أتباعه. وهذا أمر يتناقض مع دعوته إلى البعد عن العنف!.

شخصنة النقد

من جهة أخرى، الشجاعة الأدبية كانت تقتضي من عادل اللباد أن يكون أكثر دقة علميا، وأن يراجع أفكاره بشكل أعمق، دون أن يعيد توجيه السهام لمن كان ولا يزال يختلف معهم من قيادات "الحركة الإصلاحية". وهي الحركة التي انتقد بشدة في كتابه "الانقلاب: بيع الوهم على الذات"، انتقد قرارها حل التنظيم، وطي صفحة العمل المعارض، والرجوع إلى السعودية، إبان عهد الراحل الملك فهد بن عبد العزيز، وهي الخطوة التي عارضها اللباد، وانتقد عدم استشارة الكوادر حينها.

خطاب وأداء قيادات "الحركة الإصلاحية"، من الممكن نقد الكثير من مفاصله والوقوف على بعض هناته. إلا أن قرار عودة "الحركة" العام 1993 إلى المملكة، كان قرارا مفصليا صائبا، أتى في صالح ترسيخ مرجعية الدولة، وتكريس الخطاب الوطني، وشارك في اتخاذه العديد من القيادات، ومن أبرزهم د.توفيق السيف، الذي كان أمينا عاما للحركة. وهو الأمر الذي جعل السيف محطا لنقد لاذع من قبل عادل اللباد، في صفحات كتابه، وفي حواره عبر شاشة "روتانا خليجية". رغم أن قرار العودة إلى الوطن أيدته شخصيات شيعية مهمة، مثل الراحلين آية الله الشيخ محمد مهدي شمس الدين، والعلامة السيد هاني فحص، وسواهما من الدعاة إلى اندماج الشيعة العرب في أوطانهم، وبناء خطاب وطني مدني.

"إعادة إنتاج الضغينة"، هو ما يمكن أن يوصف به موقف اللباد تجاه بعض الشخصيات التي ذكرها في "الليوان". فهو بقي على ذات مواقفه التي أبداها في كتابه، أي نقد المؤيدين لانخراط "الحركة" في العمل الوطني الداخلي، ودفاعه عن المعارضين لعودة المعارضة الشيعية إلى الوطن!.

هنالك ملاحظات منهجية عدة أخرى، تحتاج إلى مزيد تفصيل. ومن المفيد في هذا الصدد، مراجعة ما كتبه الباحث السعودي كامل الخطي، من قراءة نقدية لحلقة عادل اللباد، نشرها في موقع "عين أوربية على التطرف"، وحملت عنوان "ملاحظات على حديث اللباد في ليوان المديفر".

علنية النقاش

ما سبق لا يعني أن حوار اللباد لم يكن ذو قيمة معرفية. بل على العكس من ذلك، يكتسب أهمية بالغة في هذا التوقيت بالذات. خصوصا أنه يعرض قضية مهمة بشكل علني على ملايين المشاهدين، وسط سرد تناول نقاطا جديرة بالتوقف عندها، عن أثر الخطابات التكفيرية الطائفية في دفع مجاميع من الشباب السعودي الشيعي إلى الالتحاق بالمعارضة، وأيضا كيف كانت حركات الإسلام السياسي المعارض تتوسم الدين لأهداف حزبية، والطريقة التي كان يتم بها تحشيد الجيل الجديد عبر خطابات عاطفية.

الحلقة من شأنها أن تدفع عددا من الموقوفين على مراجعة أفكارهم، ومساءلة ذواتهم، وستشجع على تغيير منهجية التفكير لديهم. وتلك واحدة من طرق المعالجة الثقافية والاجتماعية لملف المنخرطين في أحداث القطيف، ومقاربة مختلفة انتهجها جهاز "أمن الدولة"، يريد من خلالها أن يوسع دائرة المعالجة، دون أن يقصرها على الحل الأمني فقط.

أهمية النقاش

وجود مراجعة شفافة وموضوعية حول أحداث العنف والإرهاب التي شهدتها محافظة القطيف، أمر في غاية الأهمية، وحوار عادل اللباد، هو أحد محطات هذا النقاش، وقد أعطى دفعة قوية له، خصوصا أنه كان على شاشة محطة فضائية، وليس خلف الأبواب المغلقة. وأتت مقالة كامل الخطي، لتكون محاججة علنية أخرى، أخذت طابعا نقدانيا مغايرا. فالنقاش العلمي هو الذي يفتح متوالية من الأسئلة، ولا يكتفي بالأجوبة الجاهزة والسريعة، أو التفسيرات النمطية، أو القراءات التبريرية البليدة.

النقاش المنشود يجب أن يشارك فيه الجميع: الأجهزة الأمنية والحكومية المعنية، المجتمع المدني، المثقفون، علماء الدين، الأهالي.. وأن يكون علميا، موضوعيا، صريحا، قادرا على التحرر من الأحكام المسبقة.

البعض يخشى من النقاش، لأنه لا يريد تحمل مسؤولية أخلاقية أو عملية. وفريق يتهرب منه، ظنا منهم أن عش الدبابير سيؤلم شفافههم عند الحديث. فيما هنالك المتوجسون الذين يعتقدون أن النقاش منطقة محظورة!.

عبر تجربتي ومن خلال لقاءات عدة، مع جهات وشخصيات وطنية مختلفة، رسخت لدي قناعة، أن التوجس من مراجعة ما حدث في القطيف من عنف، هو قلق مبالغ فيه، وفي غير محله. وأن النقاش الشفاف إذا تم بحكمة وروح وطنية ورغبة في اجتراح الحلول، سيكون خطوة في صالح تعزيز أمن واستقرار المنطقة، وسيشارك فيها الجميع.

العلاج الجذري

الشفافية تقتضي القول، إن ما شهدته محافظة القطيف بعيد العام 2011 من أحداث، أخل بأمن واستقرار المحافظة. حيث راح ضحية عمليات التحريض والإرهاب عدد من المواطنين المدنيين والعسكريين والمقيمين، وتضررت العديد من العائلات. الأمر الذي عمق مشكلات قديمة، وأضاف لها عددا من التعقيدات شديدة الحساسية.

كما أن التردد في الإدانة، والاكتفاء بالتفرج، أو اعتبار أحداث العنف أمر على الأجهزة الحكومية وحدها حله، كان خطئا جسيما من بعض التيارات والشخصيات، التي لم تحسن قراءة المرحلة، ولم تتعامل مع التطورات بوصفها خرقا للقانون، وتهديد لكيان الدولة وأمن الناس. حيث أنه لو تم اتخاذ مواقف شعبية قوية وموحدة منذ البداية، تصطف مع الجهد الحكومي، لأمكن تطويق الأزمة، ولما تطورت إلى ما وصلت له من فوضى وخراب. إلا أنه الآن، لا ينبغي "البكاء على اللبن المسكوب"، وإنما العمل المشترك، بروح وطنية وشجاعة.

ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وفي حواره مع صحيفة "الشرق الأوسط"، المنشور في 16 يونيو المنصرم، قال بوضوح إنه "لن نضيع الوقت في معالجات جزئية للتطرف، فالتاريخ يثبت عدم جدوى ذلك"، مضيفا "نحن ماضون بإذن الله، من دون تردد، في نهجنا بالتصدي بشكل حازم لكل أشكال التطرف والطائفية والسياسات الداعمة لها".

هذا الحديث الصريح لولي العهد، يحتم على جميع المعنيين بملف أحداث القطيف، أن يعملوا على معالجته بطريقة عملية وعميقة، وليس الاكتفاء بالحلول المؤقتة أو الجزئية. وإنما مراجعة ما حدث طوال السنوات التي خلت، ومعرفة جذور وأسباب المشكلة الحقيقة، لحلها بحكمة وعقلانية وحزم، بمختلف الطرق القانونية، كي لا ترجع بشررها من جديد. فالسعوديون يريدون أن يتفرغوا للمشاركة في بناء مستقبل وطنهم، والعمل على تحقيق رؤية 2030، من أجل دولة مدنية حديثة وقوية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.