في عيد استقلالها ..سر أميركا العظيمة

إميل أمين

نشر في: آخر تحديث:

يمكن للمرء أن يتفق أو يفترق قليلاً أو كثيراً مع الولايات المتحدة الأميركية، لكن هذا لا يعني إنكار أنها قصة إمبراطورية غير مسبوقة على وجه الأرض، يذهب البعض إلى أن نفوذها ربما تجاوز ما حازته الإمبراطورية الرومانية قبل ألفي عام.
المنظرون لأميركا الحديثة يرون أنها روما العصر مالئة الدنيا وشاغلة الناس، وقد استلهمت أفكارها ومبانيها وتشريعاتها إلى حد كبير من روح القياصرة، ووصل الأمر بالمؤرخ البريطاني الكبير "نايجل هاميلتون" إلى وصف رؤساء أميركا العظام بأنهم القياصرة الأميركيون.
في الرابع من يوليو/تموز من كل عام تحتفل الولايات المتحدة بعيد الاستقلال، وهو يوم إعلان وثيقة الاستقلال في عام 1776 عن بريطانيا العظمى، ويعرف هذا اليوم بـ"يوم الاستقلال"، الذي فيه أقر الكونغرس الأميركي الوثيقة الرسمية نهائيا بالرغم من التصويت على الاستقلال قبل يومين.
أحد أهم الأسئلة في هذا اليوم: "كيف تمكنت أميركا من بلوغ مرحلة من العظمة خلال 243 سنة فقط، وهي فترة زمنية قليلة جداً مقارنة بأعمار الدول الكبرى ناهيك عن الإمبراطوريات العظيمة؟
قبل الجواب ربما يتوجب علينا التوقف عند فكرة العظمة وهل الذي يجعل أميركا تستحق هذا الوصف هو قوتها العسكرية، و ثرواتها الاقتصادية، أم أنساقها الاجتماعية.
يذهب البعض إلى أن أميركا تستحوذ على أفضل العقول في العالم، وأنها تمتلك أحدث الأسلحة حول الكرة الأرضية، وأن اقتصادها كما تفاخر الرئيس ترمب قبل أيام هو الأول والأكبر نمواً من حول البسيطة، وأن لديها إمكانات لريادة الفضاء في المستقبل بشكل يفوق أي أمة أخرى.
غير أن هذه كلها على حقيقتها وواقعيتها ليست إلا انعكاساً لحقيقة مؤكدة وهي أن أميركا نجحت في فتح دروب ومسارب المعرفة، تلك التي أنتجت لها أفكاراً جعلتها سيدة قيصر، ومهدت لها سبل الاستثنائية التي تتصف بها.
سر بقاء أميركا يحدثنا عنه الفيلسوف الألماني وعالم الاجتماع الألماني "ثيؤودور ادورنو" حين يشير إلى أن التاريخ يعطينا فكرة جيدة عن تلك الأمم التي سادت وذلك من خلال قدرتها على تحويل الأفكار إلى أدوات لبسط السيطرة والهيمنة، ولاحقا تأتي مرحلة فرط الامتداد الإمبراطوري ولا شك.
أين وجدت أميركا أفكارها التي جعلت منها تلك الأمة العظيمة؟
يمكن القطع بأن العملية التعليمية، والجامعات الأميركية بنوع خاص، هي تلك الحاضنات غير المسبوقة حول العالم والتي جعلت من أميركا أمة في مصاف الأمم المتقدمة، لاسيما أن تلك الجامعات تحولت من كليات هائة إلى محركات تغيير مركبة وقوية.
أفضل من أحاط بعظمة جامعات أميركا، السر الحقيقي لتفوقها من الكتاب والأكاديميين المحدثين، جوناثان كول، في كتابه "جامعات عظيمة.. قصة تفوق الجامعات الأميركية"، والذي يبلغ نحو سبع مئة صفحة، ومن ترجمة الدكتور ناصر بن صالح الحجيلان، حيث يشير إلى أن تلك الروافع الجامعية هي التي وفرت لأميركا وللعالم المكتشفات الحديثة والمنطلقات التي ساهمت في تغيير نمط حياتنا الحديثة.
لم يقرأ الأميركيون الأوائل قطعاً، بيت الشعر الشهير لأمير الشعراء العرب المحدثين أحمد شوقي:
بالعلم والمال يبني الناس ملكهم..لم يبن ملك على جهل وإقلال
غير أنهم تمثلوا روح بيت الشعر هذا في واقع الأمر، وكان العلم والمال هما الجناحان اللذان حلقت بهما أميركا، لا سيما مع أوائل القرن العشرين في أعلى عليين، وربما كانت الأقدار حليفا لذاك البلد، فقد أوفى الحظ لها، فيما أخلف دولاً وامبراطوريات قديمة، بعضها غربت عنها الشمس قولاً وفعلاً.
بدا طريق العظمة الأميركية عندما ظهرت الهجرة الفكرية من أوروبا إليها، كان ذلك من جراء تصاعد المد النازي وتضييق السلطات الألمانية أيديولوجياً على الكثير من العلماء، بمعنى تسخيرهم لخدمة أفكار العنصرية أو اضطرارهم إلى الفرار بعيداً جداً وراء المحيط، وهذا ما فضله علماء مثل "ألبرت أينشتاين" عالم الفيزياء الأشهر ، و"ماكس ديلبروك" عالم الأحياء البارع ، و"بول لازارسفيلد" عالم الاجتماع.
فتحت أميركا أذرعها ومعاملها وقاعات محاضراتها للعلم الذي ازدراه هتلر، وبنوع خاص العلوم البحتة، ورحبت بهم لتنتقل بذلك إلى أمكنة الدرجة الأولى في العلوم والمعرفة.
لم يكن العلم ليقوم مقامه الطبيعي من دون أن يجد المال من حوله مؤازراً وداعماً، وعليه فقد تسابق أثرى أثرياء أميركا في طريق تقديم المنح المالية، وربط الأوقاف التي تدر عوائد على المراكز البحثية، وفي مقدمة هؤلاء جاء روكفلر بأمواله، وكارنيجي رجل صناعة الحديد الأشهر بملايينه، والكثيرون ممن نعرف أو لا نعرف ساروا على دربهم، فتلاقت العقول المبدعة بالأموال الوفيرة التي يسرت الحياة لهؤلاء الباحثين، ولم يعد شيء ما من مشاغل الحياة اليومية وتفاصيلها السخيفة يختصم من فكر ومجهود أناس سوف يدفعون بالعظمة الأميركية يوماً تلو الآخر إلى آفاق لم ترتدها البشرية من قبل.
ابتكر النظام الأميركي للتعليم العالي طرائق جديدة في التفكير في المشكلات العلمية الأساسية والاستعداد لقبول المواهب النابغة من الداخل، والتعلم من العلماء الوافدين الجدد الذين كانوا سبباً في حدوث الاكتشافات، وقد تميزوا في علمي الأحياء والفيزياء، وبفضلهم تطورت جامعات البحث الأميركية تطوراً سريعاً خلال الأربعينات والخمسينات.
لم تتوقف أميركا عن إتاحة الفرصة لكل الفارين والهاربين من ضيق الأيديولوجيات، إذ أتاحت سعة خلاقة من رحابة الابستمولوجيات للأدباء والشعراء والكتاب وكافة الموهوبين في المجالات المتعددة التي برعوا فيها، وتمت الاستفادة منهم بطرق مباشرة في إثراء العملية التعليمية الجامعية بنوع خاص، وركز هؤلاء مع نظرائهم من العلماء على الأساليب والنظريات والأهداف المختلفة، ما جعل من أميركا القوة الوحيدة القادرة والقاهرة في الأربعينات على مقارعة النازي وكتابة شهادة وفاته، واستعلانها إمبراطورية قيصرية جديدة.
كان لعلماء الفيزياء النووية خاصة جهود عظيمة في الحرب العالمية الثانية، وشارك كثير منهم في مشروع مانهاتن، هذا الذي سيقود الولايات المتحدة إلى حيازة القنبلة الذرية باكراً لتنهي بها الحرب العالمية الثانية.
وفي الوقت عينه استفادت العلوم الاجتماعية والإنسانية والفنون من الهجرة الفكرية، فأثريت ميادين علم الاجتماع والانثروبولجيا والاقتصاد والعلوم السياسية عن طريق دخول مجموعة من الأدباء والمفكرين المهاجرين من مختلف الملل والنحل إلى العالم الأكاديمي الأميركي لأول مرة وبأعداد كبيرة.
عظمة أميركا المعرفية هي سر سيطرتها على كوكب الأرض وريادتها للفضاء، وما يجعل مشروعها مرشحاً للمزيد من التقدم هو أنها لا تتوقف عند تحديات الحال، وإنما تشاغب وتشاغل معضلات وإشكاليات الاستقبال.
وفي كل الأحوال لم يكن للعلم أو المعرفة من أن يدركا نجاحاً عظيماً على هذا المنوال في الداخل الأميركي، من غير أجواء الحرية الأكاديمية التي تجعل أميركا دولة عظيمة أمس واليوم وغداً.
هل معنى ذلك أنها دولة من غير إشكاليات داخلية أو خارجية؟
بالقطع أنها مجتمع بشري بنجاحاته وإخفاقاته، غير أن القول القطع هو أنه إذا كان لأرسطو ماضٍ فلسفي، فإن لمكافيلي مستقبلاً سياسياً، واللبيب بالإشارة يفهم.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.