عاجل

البث المباشر

أحمد الطويان

<p>كاتب سعودي</p>

كاتب سعودي

الاستثنائي في الأزمنة الصعبة

بمجموعة صغيرة يتوسطها الإعلامي الكبير، مهارةً وقدراً، عبد الرحمن بن صالح الشبيلي، استطاعت السعودية، في ستينات القرن الماضي، أن تؤسس لمنظومة إعلامية سعودية، صادقة وموثوقة في بداياتها، ومؤثرة وذات وصول واسع كما هي اليوم.
كان قَدَر عبد الرحمن بن صالح الشبيلي أن يكون الشاب الذي يحمل جبل المهام الصعبة على كتفيه، وكانت مهمته أن يهرول بعيداً نحو الطموح الغارق في الخيال، بأذهان مجايليه. فبالإضافة إلى دوره المحوري في تأسيس الإذاعة والتلفزيون، اشتهر ببرامجه القريبة من كل فئات المجتمع، والتي استضاف من خلالها شخصيات حكومية بارزة، منهم النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية آنذاك الملك فهد بن عبد العزيز، وأمير منطقة الرياض آنذاك الملك سلمان بن عبد العزيز. وكانت حواراته مع المسؤولين لا تبقي سؤالاً حائراً دون إجابة مقنعة. كان حضور الشبيلي في ذلك الوقت بمثابة طفرة اتصالية قدمت التلفزيون ليكون همزة وصل بين المسؤول والمجتمع بشكل مباشر دون حواجز.
لقد خاض الشاب الطموح التحدي ولم يهزمه أحد. وتصدى للتجديد دون أن توقفه العوائق. ودرس الماضي فأخذ معه الحاضر للمستقبل. لقد كان «التلفزيون بكل أدواته... كان، نتيجة لقلة الإمكانات، المذيع والمنسق والمعد والمنتج والمدير» كما وصفه وزير الإعلام الأسبق جميل الحجيلان ذات لقاء.
ومثل الشبيلي لا يُهزم ولا ينكسر، ففي رحلته الطويلة والمليئة بالإنجازات، لم ينفذ فقط ما يتوجب عليه تنفيذه بحكم الوظيفة، بل أسس الكيانات قبل أن يديرها، وألف الكتب قبل أن يدرّسها، وخلق النموذج قبل أن يطبقه. وأخذ على عاتقه توثيق الأحداث والسير، واستنطق جيلاً من الصامتين الذين لو لم يطرق بإلحاح أبواب ذاكراتهم لماتت معهم الأحداث الكبرى التي عايشوها دون توثيق أو تدوين. ويُنسب إليه الفضل في أنه ممن عملوا على توثيق مرحلة تأسيس البلاد على يدي الملك عبد العزيز، وأنه ممن عملوا باجتهاد لتدوين ما يمكن تسميتها ثقافة الحكم السعودي، وكذلك اجتهد بإخلاص لكتابة تاريخ الحركة الأدبية في المملكة منذ تأسيسها.
وقف أمام الموت في معركة حاسمة كادت تُقعده كمداً، وواجهها بإيمان عميق عندما رحل ابنه (طلال) بعد رحلة مع المرض سطر فصولها المؤلمة في «حديث الشرايين»، رحلة 16 عاماً بين المشافي والأسرّة البيضاء، عايشها بعزم لا ينكسر، ووقف بعد رحيل ابنه بقلم لا يجفّ وبعطاء لا يتوقف، وإن كانت لمسة الحزن لم تفارق وجهه البشوش.
كان الأقرب للجميع بتواضع الكبار، ولا أنسى عندما جمعنا وزير الإعلام الأسبق في فريق عمل للالتقاء بأحد الوزراء الضيوف المعنيين بالثقافة والإعلام من دولة شقيقة، كان أكبرنا عمراً وتجربة وقدراً أستاذنا الدكتور عبد الرحمن، ورغم ذلك لم يستأثر بالحديث وكان يقدمنا بحب، ويشجعنا بابتسامة.
كثيرة هي الأماكن والأحداث التي جعلتني شاهداً على رجل استثنائي عاش شامخاً ومات شامخاً... كان النبيل الصادق الوفي، والنظيف بمعنى الكلمة، والمنضبط المتزن، والمؤمن الصادق في كل ما يقوله ويفعله. حمل قبل رحيله وساماً وطنياً رفيعاً قلّده إياه ملك البلاد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان، وكانت تلك المناسبة بحق خاتمة الوفاء لعلَمٍ أخذ على عاتقه توثيق سير الأعلام وتدوين حكاية الإعلام في بلد سكن قلبه وأعطاه كل علمه وعمله.
عبد الرحمن الشبيلي زارنا في منزل والدي قبل 19 عاماً ليقول لوالدي «شكراً»، ليس لأمر يخصه، وإنما بسبب خدمة والدي لشخص عزيز عليه، ولم يعلم ذلك الشخص بأن الشبيلي ذهب إلى والدي ليشكره على ما اعتبره الدكتور الكريم معروفاً على ذلك الرجل، وفي هذا الموقف تبين لي ولكل من حضر الموقف أن هذا الرجل يحمل في قلبه وفاءً كبيراً. ومن وفائه أن سخّر وقته وجهده ليتعرف الناس على الرجال الأعلام مبرزاً دورهم ومقدّراً مكانتهم. وأستحضر هنا صورة من صور وفائه للشيخ الجليل الأديب عبد الله بن خميس والذي كتبتْ عنه الأستاذة أميمة الخميس، فقد كان الشبيلي لا ينقطع عن زيارة الشيخ عبد الله والوقوف إلى جانبه حتى في أشد حالات المرض التي لم يكن يعرف الشيخ عبد الله، رحمه الله، فيها بما يدور حوله.
في مكتبة الشبيلي الذي أرّخ لمراحل مهمة، كنز ثمين، ولا أظن أن أسرته ستمانع في تحويل مكتبته إلى مركز ثقافي يحمل اسمه. كما أظن أن وزارة الإعلام السعودية ستسمي باسم الشبيلي أحد مشاريعها الوطنية لرعاية المواهب الإعلامية أو أي مبادرة إعلامية تخلّد للأجيال المقبلة ما قام به رجل استثنائي عاش في الأزمنة الصعبة وحقق منجزات استثنائية. الشبيلي وإنْ رحل جسداً ستُبقيه الأجيال منارةً لا ينطفئ نورها.
فجعنا رحيله المفاجئ وليس لنا إلا أن نرسل لأبي طلال في غيابه أبياتاً من قصيدة لابن رازكه:
تَمَنَّيتُ لَو أُعطيت في القَولِ بِسطَة
فَأَهتِفُ فيهِ بِالَّذي أَنا أَعرِفُ
نَعَم كَيفَ يُفني غارِفٌ مُتَحَفِّنٍ
بِغرفَتِهِ البحرَ المُحيطَ وَيَنزِفُ
لَهُ شيمٌ مِثلُ النُجومِ عَديدَة
فَمِنهُنَّ مَوصوفٌ وَما لَيسَ يوصَفُ
لعلك تعذرنا أبا طلال
لا نحسن التعبير عن مشاعرنا تجاه من يعيشون بيننا، وتستبسل أقلامنا في المراثي...
رحم الله أستاذ الأجيال الدكتور عبد الرحمن الشبيلي والعزاء لأسرته ولكل محبيه.

*نقلا عن الشرق الأوسط

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات