عاجل

البث المباشر

عبد المنعم سعيد

كاتب ومفكر مصري

الإرهابي..!

فى ليلة الأحد قبل أسبوع تسلل الإرهابى فى سيارة مسروقة على كورنيش النيل، وأمام مستشفى الأورام كان الصدام مع ثلاث سيارات أخرى وأعقبها انفجار نتج عنه وفاة ٢٠ وجرح ٤٧ مصريا. الإرهابى- نفسه كما ساد التقدير- كان كتلة من الأشلاء ليس لها وجه ولا سمة، هل كان ذلك عملية إرهابية أم أن الصدف دفعت إلى التفجير، لم يكن معروفا بعد حتى وقت الكتابة، ولكن النتيجة كانت ما عرفناه طوال السنوات الماضية وانضم إلى وقائع أخرى توجد فيها الخسة فى جانب، والشجاعة فى جانب آخر. ما نعرفه فى كل الأحوال أن مصر سوف تستمر فى البناء والحياة التى لا يقطعها لا إرهاب ولا إخوان.

ما حدث أنه تقاطع مع الواقعة المصرية زمنيا أربع وقائع إرهابية جرت فى الولايات المتحدة، فى ولايات كاليفورنيا وإلينوى وتكساس وأوهايو، كانت حصيلتها الكلية ٣٦ قتيلا، و٥٠ جريحا. الوقائع جرت فى أسواق أو ميادين فى ليلة السبت أو فى نهاره، ولمن كانت حرفته الأنباء التى ألحت بالواقعة المصرية، وتلك الوقائع الأمريكية، فإنه لم يكن هناك بد من التعامل مع الظاهرة بكل قسوتها، ومع تعامل المجتمعات معها.

الإرهابى المصرى وفقا للتقديرات كان ينتمى إلى واحدة من العصابات الإخوانية وتدعى «حسم»، وهذه عُنيت بتفخيخ سيارة بالمتفجرات لكى تنفجر فى ليلتها أو فى ليال فى أيام تالية بحيث تقتل وتشوه أعدادا كبيرة من المصريين. الجماعة أصبحت لديها كم هائل من الكراهية لأهل مصر لأنهم من ناحية أطاحوا بالرئيس الإخوانى، ومن ناحية ثانية لأنهم مع قواتهم المسلحة لم يسمحوا بالتراجع إلى حكم الإخوان مرة أخرى، ومن ناحية ثالثة لأنهم باتوا مصممين على تقدم مصر بكل ما يعنيه التقدم من معان تشكل حساسية خاصة لكل الجماعات التى تلتحف برداء الدين.

وعلى بعد آلاف الأميال فى أمريكا، كانت الصيغة الإرهابية مختلفة ولكن جوهرها كان واحدا: الكراهية فى ناحية والشعور بالعظمة الذاتية فى الناحية الأخرى. فى العمليات الإرهابية الأربع كان الإرهابى رجلا أبيض يكره الأمريكيين من ألوان وأديان أخرى، ويشكل تفكيره «القومية» البيضاء التى عليها أن تقوم بالقتل لكل المختلفين عنها، وبنفس الطريقة العشوائية التى جرت فى مصر من خلال إرهابيين يفتحون نيران بنادق سريعة الطلقات على جموع يتجمعون فى مناطق مزدحمة، فأينما تتجه الطلقات تصيب أو تقتل. العمليات كلها قتلت أمريكيين، بنفس الطريقة التى جرى بها قتل مسلمين ويهود ومسيحيين من لون مختلف من قبل سواء كان ذلك فى أمريكا أو فى نيوزيلندا.

لم يكن الإرهابى نتاجا لغياب الديمقراطية من الولايات المتحدة، فهذه الديمقراطية ذاتها هى التى أتت إلى البيت الأبيض بمن لديه اعتقاد أن الملونين فى بلاده غزاة ومدمنون، ويسعى أن يقيم بينهم وبقية الناس فى الجنوب حائطا كبيرا يمتد إلى ألف ميل. وسواء كان الإرهابى فى «الباسو»- تكساس- أو فى «دايتون»- أوهايو- أو فى أى مكان آخر من الولايات المتحدة مترامية الأطراف، فإنه لا يعانى من الفاقة أو الفقر، ولا من إساءة معاملة السلطات العامة، فمهمته هو الإرهاب وزراعة العنف والفزع والخوف.

تقاطع الإرهابى المصرى مع الإرهابى الأمريكى فى مجال زمنى واحد يجعل «جهيزة تقطع قول كل خطيب» فيما يتعلق بأسباب الإرهاب أو ما ذاع فى الأدب السياسى الأكاديمى والإعلامى عن «الجذور» الاجتماعية والسياسية للحركات الإرهابية. الإرهاب فى الأول والآخر «فكرة» مسيطرة ومهيمنة تجرى تغذيتها بصورة لحظية ويومية عن طريق منظمات ومؤسسات تجعل الإرهاب وسيلة لدخول الجنة أو انتصار قومية وهمية لا تقوم على رابطة أخلاقية للجماعة البشرية وإنما على رابطة اللون أو الدين أو العرق. الأمر على هذا النحو يفتح المجال للتعلم المتبادل بيننا وبين أمريكا التى بات عليها أن تدرك صدقا أن جماعة الإخوان المسلمين هى جماعة إرهابية امتد القتل بها من أربعينيات القرن الماضى حتى العصر الحديث.

هى ليست لا ليبرالية ولا معتدلة، ولكنها مثل الحرباء تعرف كيف تتلون وتتبدل حسب توازنات القوى التى تتعامل معها، وهى لا تمثل الدين الإسلامى ولا المسلمين، حتى ولو كانت قد نجحت فى أن تضع نفسها فى مقدمة التمثيل للدين وللبشر. مصر أيضا يمكنها أن تتعلم من الكيفية التى جرت بها المعالجة الإعلامية للحدث وتطوراته، الذى وإن كان يشهد بتقدم فى الأداء فإن «إصلاح الإعلام» الذى جرى الحديث عنه فى مؤتمر الشباب ربما يكون قد حلّ أوانه وساعته لأنه جزء من المعركة. ولكن لذلك مقال آخر.

*نقلاً عن "المصري اليوم"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
رابط مختصر

إعلانات