عاجل

البث المباشر

الانفجار الإيكولوجي.. ومصير البشرية المهدد

هل حديث الانفجار الإيكولوجي أي ذاك المتعلق بتغيرات البيئة الخطيرة والقاتلة في حاضرات أيامنا بعيد عن عالم السياسة وإشكالياتها، وتعقيدات المشهد الأممي المعاصر وخلفياته الجيوسياسية المضطربة؟

أغلب الظن أنه ليس منفصلا بالمرة، فما تعانيه "أمنا الأرض" هو ثمرة عمل الإنسان الذي يود أن يتسيد الطبيعة مرة وإلى الأبد من دون أن يحترم خصوصيتها، وها قد حان أوان تمردها عليه، ما يرتب أكلافا باهظة على البشر والحجر .

ما الذي أدى إلى التغيرات الإيكولوجية ورفع درجة حرارة الكرة الأرضية إلى هذا النحو غير المسبوق، ومن ثم ثقب غلاف الأوزون، ما أدى إلى الهول الأعظم القائم، والقادر على أن يطمر ثلث الكرة الأرضية، وربما أكثر تحت المياه؟

قطع الإنسان الغابات وسخر الكربون لاستخراج الطاقة الرخيصة، وبينهما استخدم غازات العوادم والمكيفات التي ترفع درجة حرارة الأرض ، وقد حدث ذلك وهو في طريقه لتفعيل المزيد من خطط الصناعة والتنمية والتكالب على الأرباح الوفيرة والسريعة كي ينعم برفاهية لم تعرفها الأجيال السابقة، وفاته أن لكل فعل رد فعل، هكذا هي قوانين الطبيعة أمس واليوم وإلى الأبد.

في تقرير أخير لها تقول وكالة الفضاء الأمريكية "ناسا" إن الكمية الإضافية من الطاقة التي استحدثت على سطح كوكب الأرض إنما تعادل نحو أربعمائة قنبلة ذرية أو أزيد من تلك التي قصفت بها مدينة هيروشيما في نهايات الحرب العالمية الثانية.

الذين رصدوا أحوال الكرة الأرضية خلال شهر يوليو تموز الماضي وجدوا أنه كان الأكثر سخونة بين أشهر يوليو منذ 140 سنة، ما ترتب عليه ارتفاع تاريخي في درجات حرارة القطب الشمالي، الأمر الذي أكده البروفيسور "برايان بريتشنايدر" من المركز الدولي لأبحاث القطب الشمالي التابع لجامعة ألاسكا فيربانكس، والذي أشار إلى أن ألاسكا شهدت "زيادات عديدة في درجات الحرارة على مدى عقود".

الانفجار الإيكولوجي الذي بات أشد خطورة من الأسلحة النووية يولد الآن ظاهرتين قاتلتين ومتناقضتين في نفس الوقت، بمعنى أن الجليد القطبي يختفي، والجفاف والتصحر يمتدان كما رأينا في جنوب شرق ولاية ألاسكا المسمى بمنطقة "بانهاندل".

لم يكن أغسطس أقل حدة بدوره من يوليو، ما جعل الثلج يذوب في بعض قرى ألاسكا، قبل موعد ذوبانه المعتاد كل عام، وهذا أمر طبيعي بعد أن بلغت الحرارة هناك أربعة عشر ونصف درجة مئوية، أي بأعلى ثلاث درجات عن المتوسط المعتاد في مثل هذا التوقيت.

أضحى من المؤكد أن الانفجار الإيكولوجي سبب رئيس في تضاؤل كتل الجليد البحري في القطب الشمالي، والذي تضاءل هذا العام بنسبة تصل إلى 20% عن المتوسط، مما يجعله أقل من المستويات التاريخية المسجلة في يوليو 2012.

لا تتوقف الكارثة الجليدية عند القطب الشمالي، بل تمتد بدورها إلى القطب الجنوبي نفسه، والذي انخفضت كتلته بنسبة تصل إلى 5% عن متوسط الفترة ما بين 1981و 2010.

في أواخر شهر فبراير شباط الماضي كانت وكالة الفضاء الأمريكية الشهيرة "ناسا" ترصد انفصال جبلا جيليديا بضعف حجم مدينة نيويورك، عن القطب الجنوبي وتحركه إلى ناحية المحيطات، ما يعني أن مصير تلك الكتلة الهائلة هو الذوبان.

هل هذه هي المرة الأخيرة التي سنشهد فيها مثل هذا الانفصال الجليدي عن الكتل القطبية؟

أغلب الظن لا، ذلك أن علماء ناسا كذلك يرصدون وجود شرخ كبير يمتد على طول أطراف المنطقة الجليدية، والذي كان مستقرا منذ نحو 35 عاما ، لكنه بدأ يمتد إلى الشمال بسرعة تبلغ نحو ميلين ونصف الميل سنويا.

شرخ آخر يرصده العلماء على بعد أقل من 3 أميال من الشرخ السابق، وأطلقوا عليه اسم "شرخ هالوين"، والاسم يحمل دلالات الرعب في الداخل الأمريكي، إذ إن الشرخين معا يمكنهما أن يفصلا جبلا جليديا بطول 660 ميلا مربعا عن القطب الجنوبي، ما جعل عالم الجغرافيا والمسح البريطاني الشهير "دومنيك هودجسون"، المتخصص في منطقة القطب الجنوبي يشير إلى أن هذا التصدع يمكن أن يؤدي إلى انهيار ما يعرف ب" جرف برنت " الجليدي وانهياره بالكامل ....ما هي النتيجة المتوقعة ؟

إنه الانفجار الذي نتحدث عنه ، أي ارتفاع منسوب المياه في البحار والمحيطات حول العالم إلى الدرجة التي تهدد ولاية مثل كاليفورنيا بالطمر والغمر تحت المياه ، فيما الجزر البريطانية فهي قد لا تبقى ضمن كتاب الأحياء ، وفي الشرق الأوسط يتحدث البعض عن اختفاء مدينة الإسكندرية على شاطئ البحر الأبيض المتوسط ، وربما تمتد المياه من هناك حتى مدينة طنطا المصرية الشهيرة .

لن يحدث الانفجار فوق سطح المياه فحسب ، بل هناك مخاوف مجهولة من سيناريو أكثر هلعا يجري تحت سطح الأقطاب الجليدية ، وربما يؤثر سلبا بالضرر البالغ على الكرة الأرضية، وليس تحت سطح البحار والمحيطات فقط ..ماذا عن ذلك؟

بحسب تقرير أخير لعلماء حركة "جرين بيس"، المهتمة بأحوال المناخ حول العالم ، فإن حرارة القطب الشمالي ترتفع بمعدل أسرع مرتين من المعدل العالمي ، مما يسبب ذوبانا ضخما لجليد البحار، وفيما الجميع يعلم أن التغيرات المناخية تسخن هواء القطب الشمالي، يحدث الكثير تحت طبقات الجليد مما لا نفهمه جيدا ، ويكاد يسبب مخاوف رهيبة من الغموض المثار من حوله".

مرة أخرى لا يمكننا فصل أحاديث البيئة عن السياسة، والمتابع لما يجري في منطقة القطب الشمالي يدرك أن حربا لم تعد خفية تجري بين الأقطاب الدولية الكبرى، لا سيما الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، من دون أن نوفر الصين وبقية دول الشمالي الأوروبي .... لماذا؟

باختصار غير مخل، لأن الجميع يتسابق على الاستفادة من الثروات الطبيعية المطمورة تحت القطبين ، من نفط وغاز ، ومعادن ثمينة ، وقد رأينا في الأشهر القليلة الماضية تحركات عسكرية روسية في القطب الشمالي، وتهديدات من الجانب الأمريكي بملاقاتها بالمثل، والروس يتحدثون عن طريق جديد عوضا عن قناة السويس للملاحة البحرية والتجارية عبر القطب الشمالي ومن خلال الاستفادة من ذوبان الجليد.

يحق لنا أن نتساءل أي تهافت إنساني هذا الذي يسعى من أجل مصالح براغماتية ضيقة لشعب أو أمة، وفي الطريق يكاد يبيد البشرية برمتها ؟

غضبة الطبيعة وانفجارها في وجه الإنسان تهديد مهلك، يستدعي تناديا أمميا خلاّقا لإنقاذ كوكب الأرض، وفي الحق أننا لن نفاجأ إذا رأينا سيناريوهات أفلام الخيال العلمي تتحقق على الأرض، عبر غزو فضائي مسلح، باعتبار أن البشريين لم يرغبوا عند لحظة بعينها في الحفاظ على كوكبهم، وأن العناد والمنافسة والجشع، منطلقات قادت البشرية إلى أن تكتب شهادة وفاتها بنفسها.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات