عاجل

البث المباشر

أحدث مراسيم أردوغان يقود تركيا إلى انهيار مؤسساتي

في السابع من أغسطس الجاري، أصدر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مرسوما سبّب صدعا في أسس اثنتين من المؤسسات الحكومية الحيوية. يقضي هذا المرسوم بتوسيع دور وزارة الخزانة والمالية، التي يتولىّ حقيبتها في الوقت الحالي صهره بيرات البيرق ومنحه سلطة مباشرة لتعيين المفتش العام ومعاونيه، دون حتى استشارة مجالس التدقيق الأعلى مرتبة.

لكن الجزء الأكثر إثارة للقلق في المرسوم الجديد ربما يكون ما يمنحه لوزارة الخزانة والمالية من سلطة لشراء حصص في شركات عالمية ومحلية باختيار من أردوغان نفسه. ويملك صندوق الثروة السيادية التركي، الذي يترأس أردوغان مجلس إدارته ومعه البيرق كنائب للرئيس، بالفعل سلطة شراء حصص وشراء أسهم.

ومنح سلطة مماثلة لوزارة الخزانة والمالية ولأردوغان أمر يثير الكثير من علامات الاستفهام. تُباع أصول الدولة سواء المتحركة منها وغير المتحركة لوزارة الخزانة والمالية من أجل توفير إيرادات، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، يخوّل الوضع الجديد وزارة الخزانة مسؤولية مالية تتعلق بشركات بعينها، محلية وأجنبية.

وللمرء أن يتساءل عن الشركات التي ستحافظ عليها الدولة، والتي تعتزم وزارة المالية والخزانة تحمّل مديونياتها، وإن كانت هذه القواعد الجديدة ستنقذ أي شركة من الإفلاس.

في وقت سابق من هذا الشهر، باعت مجموعة تي.في.إف لرجل الأعمال التركي ذي النفوذ يلدريم ديميرورين، وهو صديق لأردوغان، حق التشغيل لعشر سنوات بخصوص ناشونال لوتيري، وهي واحدة من أكثر المؤسسات العامة تحقيقا للأرباح داخل مجموعة تي.في.إف.

ويجدر هنا التذكير بأن قرارات تي.في.إف، التي تأسست بقرار من الحزب الحاكم في أعقاب محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة عام 2016، لا تخضع لرقابة من محكمة الحسابات ولا من البرلمان، كما أن العطاءات التي ترسيها إدارة المجموعة بشكل مباشر معفاة من القوانين الرقابية. بالتالي، فإن بوسع أردوغان استخدام أموال تي.في.إف، التي تدير أعمالا بمليارات الدولارات في صورة أصول عامة، وإدارتها بطريقة لا يمكن مراقبتها.

كما أن الغرض من منح وزارة الخزانة والمالية سلطة شراء الأسهم في شركات محلية وأجنبية ليس واضحا. ولا يرى مراقبون مطلعون إمكانية لإنقاذ الشركات والمجموعات والشركات القابضة القريبة من الحكومة، ويرون أن شراكة الدولة مع هذه الشركات ستكون في صورة عمليات نقل موارد من وزارة الخزانة.

وأصدرت وزارة الخزانة والمالية بيانا بخصوص هذه الادعاءات، حيث قالت إن الضوابط الجديدة لا تهدف إلى إنقاذ شركات مفلسة، بل إلى تحقيق تناغم بين نظام الحكم الرئاسي الجديد والمرسوم القديم، وهو القانون رقم 233 الذي ينظم إدارة المؤسسات العامة وأصولها.

ومن بين العشرات من البنوك المملوكة للدولة التي جاء القانون على ذكرها، لم يبق سوى بنك زراعت، وبنك خلق، وتورك إكسمين بنك. والآن، لا توجد أي شركات عامة يمكن للرئيس أن يوجّه وزارة الخزانة والمالية للتعامل معها.

وبالتالي، فإن الأرجح أن يستخدم هذا القانون لنقل رؤوس أموال وموارد إلى شركات مقرّبة من الحكومة أو شركات لا تزال تحت التأسيس، سواء داخل تركيا أو خارجها. ويتفق عدد من كبار أساتذة الجامعات والخبرات وكبار المسؤولين الماليين السابقين، وبينهم محافظ البنك المركزي السابق دورموش يلمظ ورئيس بورصة إسطنبول السابق إبراهيم توران، على أن الضوابط التي أصدرها أردوغان تهدف إلى إنقاذ شركات موالية للحكومة أو منحها التمويل.

الخطير في الأمر أنّ القانون الجديد لا يضع ضوابط تحدّد المبلغ المالي الذي يمكن لوزارة الخزانة والمالية إنفاقه لشراء أسهم، ولا نسبة الأسهم. باختصار، لا توجد أيّ ضوابط. وعلى الجانب الآخر، فإن الهياكل المؤسسية لوزارة الخزانة والمالية قد انقلبت رأسا على عقب بموجب القانون الجديد. وكان هذا على النحو التالي:

عُهد إلى الإدارة العامة للشركات والمؤسسات المملوكة للدولة، وهو كيان حديث التأسيس، بإجراء جميع أشكال المعاملات مع الشركات التي تملك وزارة الخزانة أسهما فيها. وأصبحت إدارة أخرى حديثة التأسيس، هي الإدارة العامة للعلاقات الاقتصادية الخارجية، مسؤولة عن توفير الضمانات من أجل إنجاز مشروعات البنية التحتية بمشاركة القطاع الخاص المحلي والأجنبي، وعن إيجاد بدائل مالية مختلفة، وتنفيذ التعاملات ذات الصلة بالديون التي تتحملها وزارة الخزانة في المشروعات المشتركة بين القطاعين العام والخاص.

وتم تخويل مجلس التحقيق في الجرائم المالية، سلطة مكافحة غسيل الأموال، وكذا مكافحة تمويل الإرهاب. وسيتولّى مجلس التحقيق في الجرائم المالية جمع البيانات لهذا الغرض، وتحليل الملاحظات على المعاملات المثيرة للشبهة، وجمع المعلومات.

وبموجب القانون الجديد، سيتعاون المسؤولون من هيئة المخابرات الوطنية مع وحدات جمع المعلومات والأمن في مجلس التحقيق في الجرائم المالية. وتم تخويل وزارة المالية، ومجلس التفتيش المالي، ومجلس التفتيش التابع لوزارة الخزانة، ومجلس خبراء المحاسبات، ومجالس تدقيق وتفتيش مالي أخرى عمرها مئة عام، سلطة تعيين أكثر من 50 بالمئة من الموظفين الحاليين، مع موافقة وزير المالية.

وفي ما يتعلق بهذه النقطة الأخيرة، فإن النص المستخدم في صياغة المرسوم الجديد الذي يقول “الذي يعتبر ملائما” يستبعد مبدأ الاستحقاق ويبدو منفتحا على تفسير أوسع. وفي الماضي، لم يكن أي شخص ليُرشح لعضوية مجلس التفتيش التابع لوزارة الخزانة إلا بعد استيفاء العديد من الاختبارات المطولة، إلى جانب إجراء مقابلات وعملية مساعدة تستغرق ثلاث سنوات على الأقل. لكن مع الضوابط الجديدة، يمكن إجراء التعيينات بكلمة بسيطة من الوزير البيرق.

للبيرق الآن سلطة تعيين نصف المفتشين العاملين في المجالس. وبعبارة أخرى، فإن القانون الجديد يفتح الباب أمام ممارسات فساد ومحاباة ومحاصصة حزبية، وتعيين طواقم من السياسيين يدينون بالولاء للحكومة في لجان تفتيش إستراتيجية محورية.

تسبّب هذا المرسوم الرئاسي في زلزال أصاب الهياكل المؤسسية لمجتمعيْ المالية والخزانة في تركيا الموجودين بالفعل منذ قرون. وعلى نحو مماثل لما تم في البنك المركزي، فإن الوحدات الأساسية في الخزانة والمالية تم إلغاؤها، كما تم تفريغ مجالسها وقواعدها وتقاليدها المؤسسية وإعادة تشكيلها بمناظير أساسها التفضيلات السياسية لرجل واحد.

في الوقت نفسه، فإن السماح لوزارة الخزانة بالمشاركة في أعمال شركات محلية وأجنبية بقرار من الرئيس وحده، وتمكين وزير من تعيين أعضاء أكثر مجالس التفتيش أهمية لن يؤدي إلا إلى تسريع عملية الانهيار المؤسساتي.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات