عاجل

البث المباشر

أردوغان.. الثأر لا يبني إمبراطوريات

لا يؤمن الآغا التركي بما قاله كارل ماركس ذات مرة من أن التاريخ لا يعيد نفسه، ذلك أنه لو فعلها لأضحى في المرة الأولى مأساة، وفي الثانية ملهاة.

يسعى الآغا المترنح إلى أن يعيد سيرة الإمبراطورية العثمانية القديمة بكل ما عرفت به من غطرسة وتنمر، بل وما ملأ قلبها من أحقاد وكراهية تجاه العرب، ولا نغالي إن قلنا بسعيها الفوقي الإمبريالي الحثيث لتسيد دول الشرق الأوسط، والبقاء إلى الأبد ضمن دائرة الأسياد والعبيد.

لم يكن وارداً ألا يدرك العالم أطماع أردوغان، هذا الذي وصل به جنون العظمة حد إحياء الملابس والأزياء العثمانية من جديد، ورأى العالم العديد من حرسه في أشكال كوميدي، وإن كانت كوميديا سوداء تستدر الدموع ولا ترسم الابتسامات.

ليسوا العرب ولا الشرق أوسطيين فقط من تنبهوا لطروحات الآغا العثمانلي الأبوكريفية لإعادة بناء الإمبراطورية العثمانية، فقد أدت سياسة اللعب على المتناقضات التي اتبعها ولا يزال، لأن يفتح الكثيرون أعينهم على توجهاته في الحال والاستقبال.

أحد هؤلاء الذين أدركوا مآلات أردوغان الكارثية على شعبه، السياسي والأكاديمي الروسي الكبير "يفغيني فيدوروف"، والذي كتب في الأيام الماضية عبر "فوينيه أوبزرينيه" عن النزعة الثأرية التي يحاول أردوغان أن يبني من منطلقها إمبراطوريته العثمانية الجديدة، والتساؤل الواجب الوجود: "هل يبني الثأر والعداوات عطفاً على الكراهيات إمبراطوريات؟

أدرك الروس جيداً، وهم الذين دارت بينهم وبين الأتراك رحى حروب عديدة طوال القرون الثلاثة المنصرمة، أن أردوغان لا يمكن أن يكون صديقاً أو حليفاً، إنه فقط أداة ضمن الصراع القائم والقادم على خارطة الشطرنج الإدراكية، بين موسكو وواشنطن، فيما بكين تنتظر إعلان نتيجة الفائز التلاقيه في التصفيات الأممية على القطبية العالمية الآتية من بعيد.

يرى السياسي الروسي العتيد والذي شغل منصب نائب مجلس الدوما الروسي لأربعة أعوام، أن الطبيعة وهبت تركيا موقعاً وموضعاً متميزاً بين قارتين، ومن هذا المنطلق فقد باتت القيمة الاستراتيجية لها عالية. فالسلام في البحر الأسود، والشرق الأوسط، والبحر الأبيض المتوسط، يعتمد على الوضع السياسي والعسكري في تركيا، غير أن ذلك لم يعره أردوغان أدنى اهتمام، بل حول وجهه شطر الفتن وإثارتها، والإرهاب ودعمه، والشقاقات وتجذيرها، وأخيراً هيأ له جنونه الإمبراطوري أنه أضحى نداً يصارع ويقارع الكبار من دونالد ترمب إلى فلاديمير بوتين، وفاته أن صراع الكبار له أكلافه، تلك التي لا يمكن أن يطيقها في الحال أو الاستقبال.

السياسي الروسي العتيد يرى أن الغرب، بالمعنى الواسع، كما الشرق برؤاه الانطولوجية، يدرك اليوم أن أردوغان، وعوضا عن نشوء وارتقاء امبراطروية عثمانية جديدة في عهده، حول تركيا إلى "دولة من الدرجة الثانية"، الأمر الذي أوجع جدا ويوجع قيادة البلاد وأغلبية السكان.

لا يفتئت "فيدرورف" على أردوغان، إذ إن الحال يغني عن السؤال، وما يجري من انقسامات في الداخل التركي، ومحاولات جادة لاستبعاد المخالفين في الرأي والتوجه مع الخليفة المنحول، ناهيك عن مكتسبات المعارضة التركية كما رأينا في الانتخابات الأخيرة، يؤكد فساد الأسس التي قامت عليها العثمانية الجديدة، وهي أربعة: الدم، والعقلية العثمانية، والأرض، واللغة، وجميعها مرتكزة الى أصوليات عمياء، لا مكان للآخر فيها، ولا قبول لرؤى متعددة بينها، إنها موجهة إلى تعظيم الجنس التركي، ولتذهب بقية شعوب العالم إلى ما شاء لها أن تذهب.

هل المدخل المتقدم هو من جعل من أراضي تركيا جنة للأصوليات القاتلة، وللإرهابيين المدمرين خلال العقد المنصرم بنوع خاص؟

الواقع هو من يجيب، إذ إن تركيا أصبحت مأوى للقتلة الملطخة أياديهم بدماء الأبرياء في العديد من دول المنطقة، تلك التي عاشت واحدة من أكبر أكاذيب التاريخ، الربيع العربي، والذي لم يكن في حقيقته سوى شتاء أصوليا جافا إرهابيا.

والثابت أن عنصري الأرض والعقلية العثمانية هما من يدفعان أردوغان إلى وهم كبير، سيكون بمثابة الهوة التي تقضي عليه، وهي كذلك بالفعل، إذ ينتقل تخطيطه من داخل تركيا إلى الأراضي التي جثم عليها الاحتلال العثماني في الشرق الأوسط والخليج العربي لعقود طوال، مسببا مزيدا من الجهل والفقر والمرض، ذلك الثلاثي اللعين الذي لا يزال تاركا أسوأ الأثر على الحجر والبشر.

لم يعد أردوغان مهموماً أو محموماً برقي شعبه أو بصلاح الأحوال الاقتصادية وإنما بات مسخراً ما توافر لبلاده من موارد اقتصادية بغرض واحد هو بسط نفوذه الإمبراطوري الموهوم من أجل جعل تركيا قوة فوق إقليمية، ويلمح إلى إمكانية تحقيق ذلك يسيناريوهات أكثر حسما.

الإمبراطورية العنكبوتية القائمة وربما القادمة في مخيلة أردوغان، قد تسوقه إلى التهلكة، وبما يقوم به في المياه البعيدة عن حدوده الإقليمية في مياه البحر الأبيض المتوسط، حكماً ستجره إلى صراع مسلح مع الاتحاد الأوروبي، ومصر بنوع خاص، وهو يحمل من حزازات الصدور لمصر والمصريين ما ينوء بحمله، لا سيما أن المصريين هم الذين أسقطوا حلم الخلافة الأصولي، الذي نسجت خيوطه ورسمت خطوطه بمشاركة أردوغانية، والآن جعل من بلاده جحورا للهاربين والمارقين.

يدرك علماء الاقتصاد والسياسية أن النزعات الثأرية، ومحاولات تصدير الفتنة والإرهاب، كما يفعل في ليبيا، وإعطاءه قبلة الحياة من جديد للدواعش، لا يمكنها أن تبني مساقات أو تنشئ مسارات تاريخية، بل تقود حكما إلى تفتت السبيكة الاجتماعية، وانحلال قدرة النسيج المجتمعي في الداخل التركي على النضال من أجل الأفضل إنسانويا، وفي الخارج إلى فقد أي حظوة في عيون الكبار والصغار على حد سواء، ومن هنا يدرك المرء لماذا أضحت علاقة أردوغان مع الأوربيين فاترة إلى حد البرود، فيما ينظر الأميركيون له نظرة متدنية وعقوباتهم في الطريق اليوم وغدا، أما الروس فيكفي أنهم يتلاعبون به وبمقدرات تركيا من ورائه.

يتساءل الأتراك في الداخل اليوم عن الإمبراطورية المعزولة التي يسعى أردوغان إلى بنائها، وهل تستحق عداء العالم من مشارق الأرض إلى مغاربها، أم أنه يكفي أن تكون تركيا دولة إقليمية لها حضورها الإيجابي والخلاق في بسط الأمن وشيوع وذيوع السلام في إطارها الجغرافي، وسيادة الاستقرار في منطقة مضطربة من الأصل.

ما اقترفته أيادي أردوغان ستبقى آثاره طويلا حتى بعد رحيله، فقد حمل الأتراك ضريبة دم، وترك من خلفه إرثا رهيبا من الكراهية، ولهذا تبقى مهمة المعارضة صعبة حتى بعد الوصول إلى الحكم ونهاية زمن ورؤى الإمبراطور المخذول وامبراطوريته المنهارة.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات