عاجل

البث المباشر

«آفاق آسيان» جسر بين المحيطيْن

أرست قمة رابطة دول جنوب شرق آسيا «آسيان» لعام 2019 مرحلة محورية بالتوقيع على وثيقة «آفاق آسيان في الهندي والهادئ». وهذه هي الوثيقة الأولى من نوعها التي تلقي الضوء على دور «آسيان» في منطقة الهند والمحيط الهادئ. والوثيقة المؤلفة من خمس صفحات تمت الموافقة عليها في اجتماع لمسؤولين رفيعي المستوى في الأسبوع الأخير من يونيو الماضي، بعد مفاوضات مطولة لمدة 18 شهرا. والوثيقة تجعل من «آسيان» وجنوب شرق آسيا محوراً لمنطقة الهند والهادئ وهو ما يتضمن مناطق المحيط الهندي وآسيا المطلة على المحيط الهادئ.
وتنص الوثيقة بوضوح على الدور المركزي لجنوب شرق آسيا باعتباره جسراً بين المحيط الهندي وآسيا المطلة على الهادئ، وتؤكد من جديد على تشكيل فكرة جغرافية جديدة عن دول المحيطين الهندي والهادئ كإقليم أوسع. والوثيقة تقوم على خلفية ومنطق الحاجة إلى هندسة إقليمية مركزها «آسيان» في منطقة الهندي والهادئ. والمحيط الهندي وأقاليم آسيا المطلة على المحيط الهادئ حيوية بسبب التغيرات السياسية والجيواستراتيجية التي تحدث في المنطقة. وجنوب شرق آسيا تقع بين المنطقتين وتقوم بدور «قناة وبوابة» لهذه المناطق. وهذه الحيوية تنعكس في إقليم أكبر تشكل حديثاً هو الهندي والهادئ. كما أن التغيرات السياسية والجيواستراتيجية تقدم فرصا وتطرح تحديات للحفاظ على السلام والاستقرار والتنمية الاقتصادية.
ومجالات التعاون التي تم تركيز الأضواء عليها في الوثيقة المتفق عليها هي التعاون البحري والاتصال والاقتصاد ومجالات أخرى. والاهتمام بهذه المجالات بعينها له ما يسوغه مع الأخذ في الاعتبار حقيقة أن المنطقة التي أطلق عليها حديثا الهند والهادئ تتضمن محيطين يشكلان أحد أكبر الطرق البحرية في العالم. فليس مضيق ملقا المزدحم بالحركة جزءا من هذه المنطقة فحسب، بل من الناحية الاقتصادية، تنتعش هذه المنطقة لأنها تتألف من عدة دول نامية ذات إنتاج محلي إجمالي ينمو سريعاً. وهذا يفسر غرض رابطة «آسيان» في منطقة الهندي والهادئ ودورها. وبالإضافة إلى هذا، كما صرحت الرابطة نفسها، فهذه عملية تتقدم، ومن ثم، قد تبدو هذه الوثيقة أضعف قليلا من الوثائق الأخرى التي نشرتها الولايات المتحدة وأستراليا واليابان والهند عن الموضوع نفسه.
وصحيح أن وثيقة «آفاق آسيان» تفتقر إلى الآلية والاستراتيجيات لتطبيق دور «آسيان»، عند مقارنتها بالوثائق التي ذُكرت سابقا عن الهندي والهادئ، لكن الحقيقة ما زالت هي أن الوثيقة نفسها في البداية ذكرت أن الهدف ليس إلقاء الضوء على الآليات. وصرحت الوثيقة أن هذه الرؤية ليس الهدف منها خلق آليات جديدة أو إحلال الآليات القائمة. وذكرت الوثيقة أن هذه رؤية يراد بها تعزيز عملية بناء مجتمع «آسيان» وتعزيز وتقديم زخم جديد للآليات القائمة بقيادة الرابطة لمواجهة التحديات بشكل أفضل وانتهاز الفرص التي قد تظهر في البيئة الحالية والمستقبلية والإقليمية والعالمية. لقد استهدفت الرؤية أن تكون شاملة تجاه الأفكار والمقترحات. ومن ثم، يجب تقدير الوثيقة باعتبارها أول خطوة تقطعها «آسيان» في هذه المنطقة.
وتوقيت ظهور هذه الوثيقة كان مثالياً مع الأخذ في الاعتبار فكرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي طرحها عام 2017 عن منطقة الهادئ «المفتوحة والحرة». وكان الوقت مناسبا ل«آسيان» كي تؤكد دورها وموقعها المتعلق بالهندي والهادئ. وكان الوقت مهماً أيضاً في ظل حروب التجارة الدائرة بين الولايات المتحدة والصين، التي أثرت على معظم أعضاء «آسيان»، وأوضحت الوثيقة أمرين، أولهما أنه من الأساسي تحقيق توازن أمام التأثير الصيني في المنطقة إلى جانب التأثير الأميركي بأن يتحول «آسيان» إلى جزء من إقليم الهندي والهادئ الشاسع. وثانياً، أن حرب التجارة قد تكون تمهيداً لمزيد من التهديدات الأمنية الأكثر أهمية التي تخيم على منطقة جنوب شرق آسيا. ومن ثم، هناك حاجة لأن يؤكد «آسيان» موقفه، ويعيد تأسيس قوته باعتباره تجمعاً إقليمياً قوياً. وهذا مطلوب لأن «آسيان» لم تستطع على مدار السنوات أن تتخذ إجراءات فاعلة في عدد من القضايا وثيقة الصلة التي تطال المنطقة مثل أزمة الروهينجا وعدد آخر قليل من الأزمات. ومن ثم، فإن تبني وثيقة الآفاق يمكن أن يُنظر إليها باعتبارها حفظا لماء وجه الرابطة.
وجاءت الوثيقة متأخرة مقارنة بوثائق دول أخرى مثل الهند واليابان وأستراليا والولايات المتحدة التي أسهبت في تفصيل رؤيتها واستراتيجيها تجاه الهندا والهادئ عام 2017. لكن هذه الوثيقة أساسية للرابطة لإعادة تأكيد دورها ونواياها ليكون لها نفوذ مهم في مستقبل تطوير هذه المنطقة. وهذه الوثيقة كانت ضرورية أيضاً لأعضاء «آسيان»، وخاصة لإندونيسيا التي كانت أعلى الأعضاء صوتاً في التعبير عن الحاجة إلى رؤية للهندي والهادئ. وإندونيسيا مع عدد قليل آخر من الأعضاء كانوا من أوائل من اقترحوا الحاجة إلى نهج مميز لآسيان في الهندي والهادئ عام 2018. وكان الأعضاء مستعدين لترسيخ أقدامهم باعتبارهم قوة محورية في هذه المنطقة. وجعل «آسيان» من جنوب شرق آسيا مركزا لمنطقة الهندي والهادئ سيساعد إندونيسيا في تأكيد دورها كلاعب رئيسي لهذه المنطقة الجيواستراتيجية.

*نقلا عن الاتحاد

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات