عاجل

البث المباشر

حلمي النمنم

كاتب مصري

فاروق وعبدالناصر

العام القادم، تهل علينا مناسبتان أرى أن كلًا منهما تستحق احتفاء خاصا، علينا أن نستعد له من الآن، إن لم نكن قد بدأنا بالفعل، الأولى فى فبراير، وهى مرور مائة عام على ميلاد الملك فاروق، ملك مصر الأخير، الذى تنازل عن العرش يوم 26 يوليو 52 وغادر مصر نهائياً، وفى ظاهر الأمور فإن ثورة يوليو هى التى أسقطته وأزاحته عن العرش، والحقيقة أن نظام الملك فاروق كان قد سقط قبل ذلك اليوم، ربما يوم 8 أكتوبر 1951 حين أعلن النحاس باشا إلغاء معاهدة 1936، كان إلغاء هذه المعاهدة يعنى إلى حد كبير إسقاط شرعية نظام فاروق وشرعية النظام الملكى كله، وكان الملك فاروق أول من يعى ذلك، لذا لم يكن مُرحبًا بإلغاء المعاهدة، لكن النحاس باشا حين قرر الإلغاء أعلن ذلك للرأى العام وأثار حماسه، فبات الملك فى وضع لا يمكّنه من رفض توقيع المرسوم بإلغاء المعاهدة وإلا اتهم بالميل إلى الإنجليز، كان الإلغاء يتطلب العودة إلى الثورة ولكن النحاس لم يتجه إلى الثورة، وربما تخوف منها، وسمح بالأعمال الفدائية فى منطقة القناة، وتطورت الأمور على النحو المعروف وصولًا إلى حريق القاهرة، يومها باتت السلطة ملقاة على قارعة الطريق وتحتاج من يتقدم لالتقاطها وإنقاذ مصر من فوضى حقيقية، فتقدم الضباط الأحرار، ولو لم يفعلوا لتقدم نحوها غيرهم.

الثانية: تحل علينا فى سبتمبر، وهى مرور نصف قرن على وفاة الرئيس جمال عبدالناصر، الذى يتصور كثيرون أن نظامه سقط يوم 5 يونيو 1967، والحقيقة أن هذه الهزيمة القاسية مثلت ميلاداً جديداً لنظام عبدالناصر، وقد توقف كثيرون عند محاضر اجتماعات اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكى وأقوال عبدالناصر فيها، والتى مثلت نقداً ذاتياً عميقاً وقاسياً لنظامه، ورغم أهمية تلك المحاضر فإنها تمثل آراء قيلت فى اجتماع مغلق لنخبة الحكم، لكن لدينا وثيقة مهمة أذاعها الرئيس عبدالناصر بنفسه، وهى بيان 30 مارس 1968، وقد تم الاستفتاء عليه شعبيا، هذه الوثيقة تقدم وجها لنظام جديد ديمقراطى أراد عبدالناصر تأسيسه، ومن أسف أن هذه الوثيقة جرى تجاهلها تماما بعد وفاة عبدالناصر، رغم أن دستور 1971 لم يكن سوى إحدى توصيات ومطالب ذلك البيان.

وقبل سنوات، قد تكون كثيرة، كتبت مقالا فى جريدتنا «المصرى اليوم» عن أن أوجه الشبه بين فاروق وعبدالناصر أكثر من أوجه الاختلاف والتناقض بينهما، وقد يبدو للوهلة الأولى أن لا شبه بالمرة، وأحد أوجه الشبه تلك أن كلا منهما تعرض لحملات قاسية بعد رحيله عن الحكم، الأول بالتنازل أو العزل فعليا، والثانى بالوفاة التى لاتزال تحوطها بعض الشكوك إلى اليوم.. وامتدت الحملات إلى الحياة الشخصية والخاصة لكل منهما، وقد أنكر الخصوم على كل منهما أى موقف أو فعل إيجابى.

ولا يهم الآن أوجه الاختلاف أو الشبه، فهذا كله متروك للبحث وللدراسة، ولكن ما أخشاه أن الحملات الظالمة والقاسية التى شُنت على كل منهما، وما تبعها من مواقف تقود فى النهاية، وإن عن غير قصد، إلى تفريغ الذاكرة الوطنية، فإذا استسلمنا إلى منطق تلك الحملات فإننا سوف نُسقط من التاريخ ومن الذاكرة كل ماضينا، فهناك من يصر على اختزال عهد فاروق فى الولع ببعض النساء والخمور، واختزال عهد عبدالناصر فى التأميمات والمعتقلات، والخطورة أن تجريد عهد فاروق من أى إيجابية يسحب معه تجريد كل فترة أسرة محمد على من أى فعل إيجابى، رغم أن معظم مؤسسات الدولة المصرية الحديثة تأسست فى عهد تلك الأسرة، من بناء الجيش المصرى سنة 1811 إلى حفر قناة السويس، وبناء خزان أسوان، وتأسيس الجامعات الحديثة.

والحملة المدمرة على عهد عبدالناصر تنتهى إلى إدانة تاريخ مصر كله منذ سنة 1952، وبتنا نسمع ونقرأ من يقول بملء الفم إن أزهى أيام مصر حين كان الإنجليز يحكمونها، لاحظ أنهم ينسبون الفضل هنا إلى الاحتلال وليس لأى عنصر آخر، مثل كفاح الشعب المصرى أيام ثورة 1919. والغريب أننا نجد بعض الدول تختلق تاريخا لها، تحاول به أن تثبت وجودها وتؤكده وتدعم هويتها الوطنية به، حتى لو كان ذلك التاريخ أقرب إلى الأساطير منه إلى الحقائق والوقائع.

وليس معنى هذا أن ننكر وجود أى سلبية أو لحظة ضعف فى وقت ما من تاريخنا، فلا توجد أمة ليست لديها لحظات ضعف ونقاط سلبية، ولكن يجب البحث عما هو إيجابى والبناء عليه، ولنا أن نتخيل ماذا لو أن الصحافة الأمريكية ومراكز البحوث بالجامعات الأمريكية لم تتذكر من التاريخ الأمريكى سوى إبادة الهنود الحمر واستعباد المواطنين السود وضرب فيتنام وإلقاء القنبلة الذرية على هيروشيما؟! وماذا لو لم يتذكر الفرنسيون من تاريخهم سوى احتلال الجزائر والمذابح التى ارتكبوها ضد الجزائريين وتدمير قرى جزائرية بالكامل؟

وماذا لو لم يجد اليابانيون فى تاريخهم سوى الهزيمة المذلة فى الحرب العالمية الثانية والاستسلام المهين سنة 1945، وكذلك الأمر بالنسبة للألمان؟ والحقيقة أننا ابتلينا ببعض من لا يرون فى تاريخنا سوى ما هو سيئ وسلبى، أفهم أن يكون لدى بعض الأفراد إحن خاصة وأحزان ذاتية أو ضير شخصى، لا يمكنهم تجاوزه والارتفاع نفسيا عليه، ولكن ما لا أفهمه أن يتوارث البعض تطوعا ومجانيا تلك الإحن والأحزان، ومن ثم نصل إلى نتيجة أنه لا شىء فى تاريخنا الحديث يستحق الاعتزاز ولا موقف فيه مضىء وإيجابى، وهكذا نسقط إنجازات كبيرة تحققت وتضحيات كبرى قدمتها أجيال بالكامل، تحملت عبء النهوض والانتقال من العصر العثمانى المظلم إلى العصر الحديث، وقاوموا الاحتلال الأجنبى أيًا كان اسمه.

وهذه الحالة من فقدان الثقة فى تاريخنا وإهدار ما فيه من أمور عظيمة، وهى ليست هينة، هى التى تدفع البعض إلى الهجرة والفرار خارج الوطن أو خارج زماننا ذهابا إلى قرون بعيدة وسحيقة يتصورون أنها يمكن أن تحقق لنا الزهو المفقود، فيزداد الاغتراب وتزداد المشكلات والكراهية التامة للحاضر ورفض المستقبل، هذه الحالة تقدم مصر على طبق من فضة لمجموعات التشدد الدينى، خاصة جماعة الإخوان، التى تبنى حيثيات وجودها على أن كل ما مر بنا كان ظلاما وظلما، وأنها سوف تكون النور والضياء.

الاحتفاء بالمناسبتين أتصوره علمياً فى المقام الأول، يجب أن تتولاه الجمعية المصرية للدراسات التاريخية بحكم التخصص، ومكتبة الإسكندرية، فضلا عن الجامعات المصرية، وأيضا وزارة الثقافة، تحديداً دار الوثائق المصرية والمجلس الأعلى للثقافة.

* نقلا عن "المصري اليوم"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات